دعا استشاري جراحة المسالك البولية وأمراض الذكورة والعقم وتقنيات الإخصاب، رئيس رابطة المسالك البولية البحرينية، الدكتور حمد الحلو، إلى إطلاق استراتيجية خليجية متكاملة لمواجهة التراجع في معدلات الخصوبة والإنجاب، محذراً من أن استمرار التحولات الديموغرافية دون معالجات مبكرة قد يفرض تحديات اقتصادية واجتماعية وصحية عميقة على دول مجلس التعاون الخليجي خلال العقود المقبلة.
جاءت دعوته في تصريح لصحيفة «البلاد» نقلته الصحيفة البحرينية، تعليقاً على المحاضرة التي ألقاها صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل بن عبدالعزيز آل سعود، بمركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث، تحت عنوان «تحديات اليوم لمقومات المستقبل». وقد أفادت صحيفة أخبار الخليج بأن الأمير تركي الفيصل دقّ في المحاضرة ناقوس أخطار المستقبل أمام دول التعاون، مؤكداً أن تراجع الخصوبة يمثل الشق الأول من المعادلة السكانية، فيما يتمثل الشق الثاني في شيخوخة المجتمعات التي تتقدم نحو دول الخليج بصمت وسرعة.
«تحديات صامتة» تهدد التوازن السكاني
وقال الدكتور حمد الحلو إن سموه وضع يده على واحدة من أخطر القضايا الاستراتيجية التي تواجه المجتمعات الخليجية، المتمثلة في تراجع معدلات الإنجاب وارتفاع متوسط أعمار السكان، وما يرتبط بذلك من تغيرات في التركيبة السكانية ومستقبل القوى العاملة.
وأكد أن التحذيرات التي أطلقها الأمير تركي الفيصل تستحق اهتماماً خليجياً واسعاً، خصوصاً أن هذه التحولات تحدث بصورة تدريجية، وقد لا تظهر تداعياتها الحقيقية إلا بعد عقود، ما يجعل التحرك المبكر ضرورة لحماية استدامة التنمية والحفاظ على التوازن السكاني، وهو توازن تمثل الأسرة فيه حجر الأساس، والأسرة في مجتمعاتنا أمانة ومقصد شرعي قبل أن تكون رقماً في المعادلات الاقتصادية.
وأوضح الحلو أن وصف سمو الأمير لهذه الظواهر بأنها «تحديات صامتة» يعكس قراءة استشرافية دقيقة، لافتاً إلى أن الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية تستحوذ عادة على الاهتمام العام، بينما تتقدم التحولات السكانية بعيداً عن الأضواء، رغم أن آثارها المستقبلية قد تكون بالغة العمق.
أرقام البنك الدولي: أربع دول خليجية دون مستوى الإحلال
وأشار الدكتور الحلو إلى أن بيانات البنك الدولي لعام 2024، الواردة في التحليل الذي قدمه، تظهر بلوغ معدل الخصوبة الكلي في البحرين نحو 1.8 مولود لكل امرأة، مقابل 1.6 في الكويت، و1.7 في قطر، و1.2 في الإمارات، فيما بلغ نحو 2.3 في السعودية و2.5 في سلطنة عمان، وهي أرقام تستوقف كل غيور على مستقبل الخليج وأجياله.
وبيّن أن مستوى الإحلال السكاني يُقدّر بنحو 2.1 مولود لكل امرأة في المجتمعات ذات معدلات الوفيات المنخفضة، ما يعني أن أربع دول خليجية تسجل، وفق الأرقام المذكورة، معدلات أدنى من هذا المستوى. وشدد على أن انخفاض معدلات الخصوبة لا يعني بالضرورة تراجعاً فورياً في أعداد السكان، لكنه قد يؤدي على المدى البعيد إلى تقلص حجم الأجيال الجديدة مقارنة بالأجيال السابقة، وارتفاع نسبة كبار السن إلى السكان في سن العمل، مع ضرورة مراعاة خصوصية التركيبة السكانية الخليجية وتأثير الهجرة والعمالة الوافدة.
وليست هذه المؤشرات شأناً بحرينياً أو خليجياً فحسب؛ فقد أشارت صحيفة عُمان اليوم إلى أن التقارير الصادرة عن البنك الدولي وصندوق الأمم المتحدة للسكان حول تراجع معدلات الخصوبة في سلطنة عمان تستدعي التوقف عندها لمعرفة أسباب هذا الخلل.
العقم مشكلة طبية والخصوبة قضية مجتمعية
وشدد الحلو على أهمية التمييز بين انخفاض الخصوبة السكانية والعقم بوصفه مشكلة طبية، موضحاً أن تراجع معدلات الإنجاب لا يعني بالضرورة تراجع القدرة البيولوجية على الإنجاب بالنسبة نفسها. وقال إن هناك عوامل اقتصادية واجتماعية وصحية متداخلة تؤثر في قرارات الزواج والإنجاب، من بينها ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، وتأخر سن الزواج، وتغير أنماط الحياة، والضغوط المهنية والاجتماعية، إلى جانب المشكلات الطبية المرتبطة بالصحة الإنجابية لدى الرجال والنساء.
وأضاف أن منظمة الصحة العالمية أشارت في تقرير أصدرته عام 2023 إلى أن نحو شخص واحد من كل ستة أشخاص بالغين حول العالم يتعرض للعقم خلال حياته، ما يؤكد أن القضية تستحق اهتماماً أكبر من المؤسسات الصحية وصناع القرار.
وأوضح أن اضطرابات إنتاج الحيوانات المنوية، ودوالي الخصية، والاختلالات الهرمونية، وبعض الأمراض المزمنة والعوامل البيئية، قد تؤثر في القدرة الإنجابية للرجل، فيما يرتبط تقدم العمر لدى المرأة بانخفاض تدريجي في فرص الحمل. وأكد أن تطوير خدمات تشخيص العقم وعلاجه، وتيسير الوصول إلى تقنيات الإخصاب المساعد، بما فيها أطفال الأنابيب والحقن المجهري، يمثل استثماراً في صحة الأسرة واستقرار المجتمع، وليس مجرد توسع في الخدمات الطبية التخصصية.
الجمعية البحرينية للخصوبة: ضرورة وطنية
وكشف الحلو عن أهمية المضي في تأسيس الجمعية البحرينية للخصوبة، باعتبارها مبادرة علمية ومهنية ومجتمعية تستجيب للتحديات المتزايدة المرتبطة بالصحة الإنجابية، مؤكداً أن الحاجة إليها لم تعد ترفاً مؤسسياً، بل أصبحت ضرورة وطنية تفرضها التحولات السكانية.
وقال إن الجمعية، حال إشهارها، يمكن أن تشكل مظلة تجمع المختصين في طب الإنجاب وعلاج العقم وتقنيات الإخصاب المساعد، إلى جانب التخصصات الطبية والعلمية ذات الصلة، وأن تضطلع بدور محوري في نشر الوعي المجتمعي، وتعزيز البحث العلمي، وتطوير الممارسات المهنية، وتقديم المشورة العلمية للجهات الصحية الرسمية، وصياغة توصيات قائمة على الأدلة تدعم تطوير سياسات وطنية مستدامة.
استراتيجية خليجية مشتركة
ودعا الحلو إلى إطلاق حوار خليجي موسع حول مستقبل الخصوبة والصحة الإنجابية، يفضي إلى وضع استراتيجية مشتركة تشمل تعزيز الوعي الصحي، وتشجيع التشخيص المبكر لمشكلات الإنجاب، وتطوير مراكز علاج العقم، ودعم الأبحاث العلمية المتخصصة، مع إنشاء قواعد بيانات وطنية وخليجية دقيقة لمؤشرات الخصوبة والعقم، تميّز بين المواطنين وإجمالي السكان.
وشدد على ضرورة أن تترافق المبادرات الصحية مع معالجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية المؤثرة في قرارات الإنجاب، مؤكداً أن تشجيع الخصوبة يجب ألا يتحول إلى ضغوط على الأسر، وإنما إلى سياسات إيجابية تساعد الأزواج على تحقيق رغباتهم الإنجابية بصورة صحية وآمنة.
ولفت إلى أهمية الربط الذي طرحه الأمير تركي الفيصل بين التحولات الديموغرافية والتوسع المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن دول الخليج ستكون أمام تحديين متزامنين: تغير التركيبة العمرية للسكان، والتحولات التقنية التي ستعيد تشكيل أسواق العمل والمهارات المطلوبة. وقد دعا سموّه في سياق موازٍ إلى تعزيز قدرة المجتمعات على حماية هوياتها الثقافية أمام التحولات الرقمية.
الأمن السكاني جزء من الأمن الوطني
وقال الحلو إن الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من محاضرة الأمير تركي الفيصل تتمثل في أن الأمن السكاني جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني، وأن قوة الدول لا تقاس فقط بمواردها الاقتصادية أو بنيتها التحتية أو قدراتها الدفاعية، وإنما أيضاً بقدرتها على تجديد قواها البشرية والمحافظة على توازنها السكاني واستدامة أنظمتها الصحية والاجتماعية.
وأعرب عن بالغ تقديره لصاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، مشيداً برؤيته الاستشرافية وحرصه على إثارة القضايا المصيرية التي تمس مستقبل دول مجلس التعاون وأجيالها المقبلة، كما ثمّن الدور الثقافي والفكري لمركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث في استضافة الحوارات النوعية.
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن الاستثمار في الصحة الإنجابية اليوم يمثل استثماراً مباشراً في مستقبل المجتمعات الخليجية، وأن التعامل المبكر مع هذه التحديات، عبر التخطيط العلمي والتعاون الخليجي المشترك، سيمنح دول المنطقة فرصة أكبر للمحافظة على استدامة التنمية واستقرار الأجيال المقبلة.
أسئلة شائعة
ما هو مستوى الإحلال السكاني المطلوب؟
يُقدّر مستوى الإحلال السكاني بنحو 2.1 مولود لكل امرأة في المجتمعات ذات معدلات الوفيات المنخفضة، وفق ما أوضح الدكتور حمد الحلو.
ما معدل الخصوبة في البحرين؟
بلغ معدل الخصوبة الكلي في البحرين نحو 1.8 مولود لكل امرأة وفق بيانات البنك الدولي لعام 2024.
ما الفرق بين تراجع الخصوبة والعقم؟
تراجع معدلات الإنجاب ظاهرة سكانية تتأثر بعوامل اقتصادية واجتماعية، بينما العقم مشكلة طبية تعيق القدرة البيولوجية على الإنجاب.
