نشرت صحيفة البلاد البحرينية، في الثاني من نوفمبر 2026، قراءة تحليلية موسّعة لكتاب المفكر الياباني ماروياما ماساو «الولاء والتمرّد»، تناولت فيه البنية الأخلاقية والسياسية العميقة التي شكّلت علاقة الإنسان الياباني بالسلطة والدولة خلال مرحلة التحول من الإقطاع إلى الحداثة.
ويعتبر الكتاب، بحسب التحليل الذي نشرته صحيفة البلاد، مرجعاً بالغ الأهمية في دراسة تاريخ الأفكار في اليابان الحديثة، لأنه لا يقف عند أحداث نهاية عصر توكوغاوا (1603-1868) وإصلاح ميجي (1868-1912)، بل يغوص في سؤال الضمير الفردي: كيف يبقى المرء وفياً لسيده أو جماعته أو دولته حين ترى هذه السلطة نفسها قد انحرفت عن المصلحة العامة؟
الأطروحة المحورية: التمرد احتمال كامن في الولاء
يقدم ماروياما ماساو طرحاً مدهشاً في بساطته وعمقه: فالتمرّد ليس نقيضاً بسيطاً للولاء، بل احتمال كامن فيه. ففي التقليد الياباني الإقطاعي، قد يتحول الولاء الشديد إلى مصدر للاعتراض والنصيحة الصريحة، بل وللعصيان، حين يشعر التابع أن سيده خان القيم التي تبرر علاقة الولاء ذاتها. ويستشهد الكتاب بعبارة منسوبة إلى روح الساموراي في «هاغاكوري»، وهي المبادئ الأخلاقية للساموراي التي شكّلت المدونة الأخلاقية للمحاربين اليابانيين وفق ما توثقه الموسوعات: من لا يعرف الولاء الحقيقي لا يعرف التمرد الحقيقي أيضاً.
وهنا يبرز مفهوم «كانسو»، أي إسداء النصيحة أو التوبيخ السياسي للحاكم. فالتابع الذي يواجه سيده لا يفعل ذلك لأنه تخلّى عن رابطة الولاء، بل لأنه يأخذها بجدية أكبر من السيد نفسه. وفي هذا المعنى، لا يكون التمرد رفضاً للعلاقة، بل محاولة لإنقاذ معناها الأخلاقي.
من الولاء للسيد إلى الولاء للدولة
يرصد الكتاب، الذي صدر عن دار تشيكوما عام 1992 ويضم دراسات عن مفكرين مثل فوكوزاوا يوكيتشي وأوكاكورا كاكوزو وأوتشيمورا كانزو، التحول الحاسم الذي طرأ مع سقوط الشوغونية وقيام دولة ميجي الحديثة. فلم يعد السيد المحلي محور الولاء، بل الدولة القومية والإمبراطور والأمة.
مكّن هذا التحول اليابان من بناء دولة قوية وجيش حديث ونظام تعليم وطني، لكنه حمل في الوقت نفسه خطراً كبيراً: تحوّل الولاء من علاقة أخلاقية متوترة قابلة للنقد إلى طاعة مجردة لمبدأ أعلى لا يُسأل ولا يُجادل. ويشير ماروياما إلى أن التحديث ورّث الدولة عنصر الخضوع والانضباط أكثر مما ورث روح «الاعتراض الملتهب» أو النصيحة الناقدة.
ذاتية علائقية لا فردية منفصلة
يرفض ماروياما الثنائية المبسطة بين «الفردية الغربية» و«الجماعية اليابانية». فالساموراي الذي يواجه سيده لا يفعل ذلك باسم فردية ليبرالية حديثة، لكنه يمارس فعلاً ذاتياً حقيقياً: يتخذ موقفاً، ويتحمل مسؤولية، ويخاطر بمكانته وحياته من أجل ما يراه صواباً. وهي ذاتية تولد من الالتزام المفرط بالرابطة، لا في القطيعة التامة معها، ولذلك يسميها الباحثون «ذاتية علائقية».
وتشير تغطيات حديثة إلى استمرار أنماط الولاء الهرمي في مؤسسات اليابان المعاصرة، إذ يرصد تقرير منشور على منصة ساب ستاك كيف أن الموظفين الصغار في الشركات اليابانية يؤدون طقوس ولاء يومية تجاه كبارهم، من إعادة ملء الأكواب إلى أداء الواجب لساعات، بما يعكس بقاء البعد الشكلي للولاء بعد أفول بعده الأخلاقي.
دروس للمجتمعات المستقرة
إن قراءة هذا الكتاب من زاوية خليجية تحمل دلالة خاصة. فالمجتمعات التي تحافظ على الاستقرار والوحدة الوطنية والانتماء، كالبحرين ودول مجلس التعاون، تدرك أن الولاء الحق ليس طاعة عمياء ولا إذابة للضمير، بل رابطة مسؤولية متبادلة بين الحاكم والمحكوم، أساسها العدل والمصلحة العامة والوفاء بالمبادئ التي تستمد منها السلطة مشروعيتها.
وقد عرفت حضارتنا الإسلامية هذا التوازن قبل قرون، إذ جعلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً على الرعية تجاه ولي الأمر، في إطار من الاحترام والنصيحة لا الفتنة والصدام. وفي هذا التقاء عجيب بين روح الشورى في الإسلام وروح «الكانسو» في أخلاق الساموراي: كلاهما يجعل النصيحة الصادقة ذروة الولاء لا نقيضه.
والخلاصة التي يخرج بها القارئ من كتاب ماروياما، كما تُجمل صحيفة البلاد، أن الثقافة السياسية الناضجة لا تُبنى على التمرد الدائم ولا على الطاعة الدائمة، بل على ولاء مسؤول يستطيع أن يقول «لا» حين يصبح الصمت خيانة للصالح العام.
أسئلة شائعة
ما هو كتاب «الولاء والتمرد» لماروياما ماساو؟
كتاب صدر عن دار تشيكوما اليابانية عام 1992، ويضم دراسات في تاريخ الفكر الياباني من أواخر عصر إيدو إلى المرحلة الأولى من عهد ميجي، ويحلل فيه ماروياما التحول من الولاء الإقطاعي الشخصي إلى الولاء المجرد للدولة والأمة.
لماذا يعتبر التمرد جزءاً من الولاء عند ماروياما؟
لأن التابع الذي يواجه سيده المخطئ يفعل ذلك انطلاقاً من أخذه برابطة الولاء بجدية أكبر، فيكون اعتراضه محاولة لإنقاذ المعنى الأخلاقي للعلاقة لا رفضاً لها.
ما الخطر الذي رصده ماروياما في دولة ميجي الحديثة؟
تحوّل الولاء من علاقة أخلاقية قابلة للنقد إلى طاعة مطلقة لكيان مجرد غير قابل للمساءلة، مما أضعف الطاقة النقدية الكامنة في الولاء التقليدي وسهّل التعبئة العسكرية لاحقاً.
