تبخر أكثر من تريليوني دولار من القيمة السوقية لمؤشر «ناسداك 100» خلال شهر أكتوبر الماضي، بعد تراجع المؤشر بنسبة تجاوزت 5.8 في المئة منذ بداية الشهر، وفق ما أوردته تقارير إخبارية متخصصة، وهو مبلغ يفوق قليلا القيمة السوقية الكاملة لشركة سبيس إكس. وجاء هذا الهبوط الحاد مع تكثيف شركات التكنولوجيا الكبرى إعلان نتائج أعمالها، وسط شكوك متصاعدة حول قدرة المليارات التي تُضخ في الذكاء الاصطناعي على توليد عوائد بالسرعة الكافية.
ويطرح هذا التراجع سؤالا يهم المستثمر العربي قبل غيره: هل وصلت فقاعة الذكاء الاصطناعي الأميركية إلى نهايتها، وما الذي يعنيه ذلك للأموال السيادية التي تدفعها السعودية ودول الخليج في بناء قدراتها الرقمية؟
ماذا حدث في «ناسداك» خلال أكتوبر؟
سجل المؤشر خسائر تجاوزت تريليوني دولار من قيمته السوقية في شهر واحد، وهو ما يعادل تقريبا القيمة الكاملة لشركة سبيس إكس، وفق ما نقلته تقارير اقتصادية عن وكالات متابعة الأسواق. وقد ترافق ذلك مع سقوط سهم «إنتل» بنحو 30 في المئة في يوم واحد بعد توقعات إيرادات مخيبة، وهو ما يعكس تصاعد الشكوك حول استدامة الإنفاق الضخم على مراكز البيانات والرقائق.
وفي الوقت نفسه، رفعت شركات مثل ميتا وألفابت وأمازون توقعات إنفاقها مرة أخرى، وهي تتسابق لتوسيع بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي. وتشير قراءات أخرى إلى أن حجم الخسائر بلغ نحو 1.2 تريليون دولار، بحسب ما رصدته متابعات إقليمية لحركة المؤشر.
لكن هذا التراجع لا يُعد بالضرورة انفجارا كاملا للفقاعة، إذ لا يزال الطلب على قدرات الحوسبة قويا والمشاريع التوسعية مستمرة. فهو أقرب إلى تصحيح حاد يعيد تقييم التوقعات المفرطة، ويسلط الضوء على مخاطر حرق النقد وارتفاع التكاليف.
لماذا لا تنطبق حسابات «وول ستريت» على الخليج؟
هذه التأرجحات في أسهم التقنية الأميركية تنتمي إلى سياق مختلف تماما عن سياق الاستثمارات التأسيسية في الذكاء الاصطناعي التي تضخ فيها السعودية ودول الخليج أموالها. فالهبوط الشهري يعكس في الأساس تذبذبات سوقية قصيرة الأجل في البورصات، مدفوعة بمخاوف المستثمرين من حجم الإنفاق الرأسمالي الضخم وتأخر ظهور عوائد واضحة.
هذه التحركات مرتبطة بتقييمات الشركات المدرجة، وتوقعات الأرباح الفصلية، وشهية المخاطرة لدى الصناديق والمضاربين، ولا تمثل بالضرورة تراجعا في الطلب الفعلي على قدرات الحوسبة أو في جدوى التكنولوجيا نفسها.
أما الاستثمارات السعودية والخليجية فهي استثمارات تأسيسية طويلة الأمد، تُموَّل من صناديق سيادية مثل صندوق الاستثمارات العامة، وتستهدف بناء بنية تحتية وطنية سيادية. وتشمل إنشاء مراكز بيانات بقدرات جيجاواط، وشراكات استراتيجية مع شركات مثل نفيديا وإيه إم دي وأمازون ومايكروسوفت لتركيب عشرات الآلاف من وحدات المعالجة الرسومية، وتطوير نماذج لغوية عربية مثل «علاّم»، وبناء قدرات محلية في الحوسبة السحابية والتطبيقات.
الهدف ليس تحقيق أرباح ربعية أو مضاربة على أسعار الأسهم، بل تنويع الاقتصاد بعيدا عن النفط، وتعزيز السيادة على البيانات، وخلق منظومة محلية قادرة على المنافسة إقليميا وعالميا ضمن رؤية 2030 وما يشابهها في دول الخليج.
هل تنتقل العدوى إلى الصناديق السيادية؟
هذا الاختلاف في السياق يحد من انتقال تأثير التقلبات الأميركية بشكل مباشر أو عميق. فانخفاض سعر سهم «نفيديا» أو «إنتل» في «وول ستريت» قد يؤثر في القيمة السوقية لأي حصص عامة محدودة تحتفظ بها الصناديق السيادية، أو يرفع مؤقتا تكاليف بعض المكونات إذا انعكس على أسعار التوريد.
لكنه لا يغير الحسابات الاستراتيجية طويلة الأجل التي تُبنى على أفق زمني يمتد إلى 2030 وما بعدها، وعلى قدرة الدول على تمويل المشاريع من موارد سيادية مستقلة عن تقلبات الأسواق العامة. بل قد توفر مثل هذه الهبوطات فرصا للتفاوض على شروط أفضل في الصفقات المستقبلية أو لشراء أصول بتقييمات أقل نسبيا.
وفي الوقت نفسه، تستمر الصفقات والشراكات على أرض الواقع دون توقف ملحوظ مرتبط بالهبوط الأخير. فقد وسعت «هيومين» أخيرا تعاونها مع «نفيديا» لتشمل قدرات إضافية تصل إلى عشرات الميجاواط وآلاف الوحدات الجديدة، بينما تتقدم مشاريع مراكز البيانات والشراكات مع «إيه إم دي» وغيرها.
هذه المشاريع مرتبطة بطلب محلي وإقليمي على الحوسبة، وبأهداف وطنية محددة، وليست مربوطة بتوقعات المحللين حول هوامش أرباح الشركات الأميركية أو بتدفقات النقد الفصلية. المخاوف المتعلقة بتكاليف التمويل أو استدامة الإنفاق العالمي تظل قائمة كعامل مراقبة، لكنها لا تُلغي الحاجة إلى بناء القدرات الأساسية.
التحول نحو الكفاءة يفتح بابا جديدا
ما يحدث في قطاع الذكاء الاصطناعي حاليا يبرر أخذ نفس عميق وإلقاء نظرة فاحصة على استراتيجيات التطوير. فالبوصلة تعتمد للبعد البعيد على تحركات الشركات العملاقة العالمية، ويبدو أن ثمة قلقا ليس فقط من تحركات المؤشرات في السوق، بل كذلك من قرب انفجار الفقاعة.
ومع ذلك، سواء وُجدت فقاعة أم لا، يبدو أن هناك تفكيرا جديدا استعدادا لجيل قد يقلب الطاولة على ما هو قائم. فالتركيز يتحول تدريجيا من مجرد بناء نماذج أكبر وأكثر تكلفة إلى تحسين الكفاءة، وخفض تكلفة الاستدلال، والاعتماد على نماذج أصغر وأكثر تخصصا، وأطر مفتوحة المصدر تتيح خدمة النماذج بتكلفة أقل بكثير.
وتشير تقارير مثل الصادرة عن «دويتشه بنك» و«ماكينزي» إلى أن انخفاض تكلفة الذكاء الاصطناعي وانتشار النماذج المفتوحة قد يعيدان تشكيل المشهد، بينما يحذر مستشارون تقنيون من أن الاعتماد على نهج «الأكبر أفضل» قد لا يكون مستداما، ويدعون إلى نماذج أكثر كفاءة وملائمة للسياقات المحلية. هذا التحول قد يفتح أبوابا جديدة للاستثمارات التأسيسية في المنطقة بعيدا عن مجرد تتبع مسار الشركات العملاقة.
ومع دخول نماذج الذكاء الاصطناعي العام إلى المعترك، وهي نماذج قادرة على أداء مجموعة واسعة من المهام المعرفية بمستوى يقارب القدرات البشرية في مجالات متعددة، قد يتسارع هذا التحول بشكل جذري. فمن شأنه أن يعيد ترتيب أولويات البنية التحتية، ويقلل الاعتماد على التوسع الضخم في مراكز البيانات التقليدية، ويفتح المجال أمام تطبيقات أكثر عمقا وكفاءة تلائم الاحتياجات المحلية والإقليمية.
وهنا يبرز درس عملي للدول الخليجية: بناء قدرات سيادية مرنة قادرة على التكيف مع هذا الجيل الجديد، مع مراجعة استراتيجية ديناميكية دائبة بعيدا عن الهياكل الجامدة التي مداها سنوات من الثبات. فطبيعة تطورات الذكاء الاصطناعي متتابعة ولا تكاد تهدأ، والثبات في التخطيط قد يكون أغلى من أي تقلب في الأسواق.
أسئلة متكررة
كم خسر مؤشر ناسداك 100 في أكتوبر؟
خسر المؤشر أكثر من تريليوني دولار من قيمته السوقية خلال شهر أكتوبر، بتراجع تجاوز 5.8 في المئة منذ بداية الشهر، وفق التقارير الاقتصادية التي تابعت حركته.
هل تتأثر استثمارات السعودية والخليج في الذكاء الاصطناعي بهذا الهبوط؟
التأثير محدود وغير هيكلي، لأن الاستثمارات الخليجية تأسيسية طويلة الأمد تُموَّل من صناديق سيادية وتستهدف بناء بنية تحتية وطنية، لا المضاربة على أسعار الأسهم أو تحقيق أرباح ربعية.
ما الذي يعنيه التحول نحو النماذج الأصغر والأكثر كفاءة للمنطقة؟
يعني تقليص الاعتماد على التوسع الضخم في مراكز البيانات التقليدية، وإتاحة تطبيقات أعمق وأقل تكلفة تلائم الاحتياجات المحلية، ما يعزز أهمية بناء قدرات سيادية مرنة.
