حذّر محللون من استمرار معاناة أسعار النفط في ظل عدم استقرار الشرق الأوسط، في وقت تتداخل فيه المواجهات الجيوسياسية مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز والتصعيد الحوثي ضد المملكة العربية السعودية، بحسب تقرير نشرته صحيفة صدى البلد بتاريخ 19 أكتوبر 2026 كتبه الدكتور جمال القليوبي. وأشار التقرير إلى أن تداعيات المواجهات امتدت إلى منشآت الطاقة وخطوط الأنابيب والموانئ ومسارات الناقلات، لتصبح سلامة البنية التحتية النفطية وانتظام التصدير من أبرز التحديات أمام منطقة الخليج العربي والأسواق العالمية.
ولمملكة البحرين وشقيقتها دول الخليج العربي في هذا الملف مصلحة مباشرة، فالمنطقة التي تحمل أمانة خدمة الحرمين الشريفين وثقل الاقتصاد الإسلامي لا تحتمل تعطيل شرايين الطاقة التي تعتمد عليها ملايين الأسر المسلمة في أرزاقها اليومية، وهذا ما يجعل استقرار الخليج مسؤولية جماعية قبل أن يكون حسابا اقتصاديا.
لماذا لا يعني تعافي الإنتاج استعادة الاستقرار؟
سجل الإنتاج الخليجي تعافيا ملموسا خلال شهر سبتمبر الماضي، لكن تجدد المخاطر البحرية أثار الشكوك حول استدامة هذا التعافي، كما أوضح تقرير صدى البلد. فالبرميل المنتج لا يصبح إمدادا متاحا للمستهلك إلا عندما يصل إلى وجهته بأمان وفي موعده، وهنا تتحول المخاطر الجيوسياسية إلى عنصر اقتصادي مؤثر في التسعير، ثم في السيولة المالية وقدرة الدول على التأقلم مع التذبذب في الأسعار.
ولا تنتهي آثار استهداف المنشآت بانتهاء الهجوم؛ فالإصلاح يحتاج إلى وقت وتمويل وقدرات فنية، بينما يفرض احتمال تكرار الاعتداء تكاليف إضافية للحماية والتشغيل والتأمين. ولذلك تختلف استعادة الإنتاج عن استعادة الاستقرار ما دامت المنشآت وطرق النقل معرضة للتهديد.
الموقع المحوري للمملكة العربية السعودية
تتصدى المملكة العربية السعودية لموقع محوري في هذه المعادلة باعتبارها أحد أعمدة الإنتاج والتصدير عالميا. فأي استهداف لأنابيبها أو مصافيها أو خزاناتها وموانئها النفطية ينعكس على ثقة المشترين ويتجاوز أثره حدود المملكة إلى الدول المستوردة وسلاسل الإنتاج العالمية. وإذا طال الصراع فقد ترتفع نفقات الدفاع وإصلاح المنشآت وتأمينها، وتزاحم الموارد المخصصة للتنمية والتنويع الاقتصادي.
وأشار التقرير إلى أن هذا الوضع يفتح خطر الانزلاق نحو بعض سمات اقتصاد الحرب، لكنه لا يثبت أن الاقتصاد السعودي تحول بالفعل إلى اقتصاد حرب شامل. كما ناقشت الصحافة الأمريكية هذه الموازنة الصعبة بين متطلبات الأمن والطموحات الاستثمارية للمملكة، مع افتراض وجود قوى خفية تسعى إلى إنهاك الاقتصاد السعودي، وهو ما يستدعي الحذر في تحليل النتائج دون تقديم النوايا المفترضة بوصفها حقائق مثبتة.
معضلة المخزون الاستراتيجي وتقديرات رئيس أرامكو
أظهر تقرير منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) الصادر حديثا تعافي إنتاج أوبك بلس بقيادة السعودية، لذلك يتمثل الخطر في فقدان هذا التحسن إذا استمر التصعيد وليس في الجزم بعجز دائم عن الوفاء بالإمدادات. وتضاف إلى ذلك معضلة تعويض المخزونات؛ فالسحب من الاحتياطيات يخفف الصدمة مؤقتا لكنه يقلص هامش الأمان ويخلق حاجة مستقبلية لإعادة الملء.
وفي هذا السياق ذكر التقرير تصريح رئيس أرامكو أمين الناصر في مؤتمر الطاقة بالرياض، والذي قال فيه إن إعادة بناء المخزونات الاستراتيجية بالتزامن مع تلبية الطلب قد تستغرق ما يصل إلى نحو عامين.
وقال أمين الناصر إن إعادة بناء المخزونات الاستراتيجية بالتزامن مع تلبية الطلب قد تستغرق ما يصل إلى نحو عامين، وهو تقدير للتحدي العالمي وليس موعدا مضمونا لتعويض كل احتياطي وطني.
ويختلف توفر الخام عن توفر المنتجات المكررة؛ فزيادة الإنتاج لا تعالج نقص الديزل والبنزين والجازولين إذا تعطلت المصافي أو شبكات نقل الوقود، بينما تزيد أجور الناقلات وأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب وغرامات الانتظار تكلفة الشحنة النهائية.
سيناريوهات أسعار برنت خلال السنتين المقبلتين
رصد التقرير عدة سيناريوهات افتراضية لأسعار خام برنت خلال السنتين المقبلتين، هي تقديرات تحليلية وليست توقعات رسمية:
- سعر 65 إلى 85 دولارا: في حال تحقق تهدئة مستمرة وانتظام الملاحة وتعافي الإنتاج والتكرير.
- سعر 85 إلى 110 دولارات: في حال استمرار الاضطرابات المتقطعة مع طلب إعادة التخزين وارتفاع تكاليف النقل، مع قفزات مؤقتة أعلى.
- سعر 120 إلى 150 دولارا: في حالة تصعيد واسع وتعطل ممتد للصادرات خلال ذروة الأزمة، دون بقاء السعر عند هذه المستويات طوال العام.
- سعر 55 إلى 70 دولارا: في حال تباطؤ اقتصادي قوي مع استعادة المعروض.
وفي مقابل هذه السيناريوهات، توقعت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية في إصدار أكتوبر أن يصل خام برنت إلى نحو 84 دولارا في المتوسط لعام 2027 اعتمادا على تحسن الإمدادات وانفراجة في حركة الملاحة وحرية النقل، بينما تبقى تقديرات عام 2028 أكثر غموضا وتحتاج إلى المراجعة مع تغير الأحداث العالمية.
أثر ارتفاع الأسعار على اقتصادات المنطقة
بالنسبة لمصر، يرى التقرير أن ارتفاع أسعار الخام والوقود المكرر سيرفع فاتورة الاستيراد والاحتياجات من النقد الأجنبي، وقد يزيد أعباء الموازنة العامة بحسب سعر الصرف وسياسات التسعير والدعم، وتمتد التداعيات إلى النقل والصناعة والزراعة وتكاليف المشروعات القومية. ولهذا يقترح التقرير دراسة برنامج تدريجي قومي لزيادة المخزون الاستراتيجي المصري إلى مستوى يغطي ستة أشهر أو أكثر من صافي الاحتياجات الاستيرادية، وفق تقييم فني ومالي.
ويشير التقرير إلى أن وكالة الطاقة الدولية تشترط على أعضائها المستوردين تغطية 90 يوما على الأقل من صافي الواردات، وهو هدف مقترح لمصر وليس معيارا دوليا ملزما. فالمخزون لا يضمن تثبيت الأسعار لعامين لكنه يؤمن استمرار الإمدادات ويمنح الحكومات مرة في توقيت المشتريات، ويجب أن يصاحبه تنويع التوريد وعقود مناسبة وتحوط مالي مدروس وزيادة الإنتاج المحلي وكفاءة الاستهلاك.
أسئلة شائعة
ما تأثير التصعيد في الشرق الأوسط على أسعار النفط؟
أدى التصعيد إلى تحول المخاطر الجيوسياسية إلى عنصر اقتصادي مؤثر في التسعير، مع ارتفاع أجور الناقلات وأقساط التأمين، وفق ما ذكره تقرير صدى البلد بتاريخ 19 أكتوبر 2026.
كم تستغرق إعادة بناء المخزونات الاستراتيجية؟
صرح رئيس أرامكو أمين الناصر في مؤتمر الطاقة بالرياض أن إعادة بناء المخزونات الاستراتيجية بالتزامن مع تلبية الطلب قد تستغرق ما يصل إلى نحو عامين.
ما توقعات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية لأسعار برنت؟
توقعت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية في إصدار أكتوبر متوسط سعر برنت عند نحو 84 دولارا للبرميل في عام 2027.
ما الحد الأدنى لتغطية المخزون الاستراتيجي وفق وكالة الطاقة الدولية؟
تشترط وكالة الطاقة الدولية على أعضائها المستوردين تغطية 90 يوما على الأقل من صافي الواردات.
