كشف إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 2026، عن تفاهم مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين لتوريد أكثر من 300 ألف طن من الديزل فورا إلى الولايات المتحدة والأسواق العالمية، عن تحول لافت في ملف الطاقة الروسية، حمل في طياته أسئلة تتجاوز واشنطن وموسكو إلى سائر المشترين، ومنهم دول آسيا والخليج التي تتعامل مع أسواق الوقود بحساسية بالغة.
ووفقا لتقرير للجزيرة نشر في الرابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول، فإن الصحافة الصينية تناولت هذا التفاهم بوصفه مناورة انتقائية تخدم مصلحة أمريكية آنية، لا ضمانة مستقرة لسائر الأطراف، وهو تقدير يستحق التوقف عنده في منطقتنا حيث يمثل استقرار أسواق الطاقة ركيزة أساسية للاقتصاد والتنمية.
من قانون غراهام إلى اتفاق الديزل
يبدأ التسلسل الذي عرضته صحيفة هوان تشيو الصينية من توقيع ترمب، في الثامن عشر من سبتمبر/أيلول 2026، قانون غراهام لمعاقبة روسيا وإيران، وهو القانون الذي يمنحه صلاحية فرض رسوم ثانوية تصل إلى 100% على الدول التي تستورد الطاقة الروسية. ثم جاء إعلان التاسع من أكتوبر ليشير إلى توريد 300 ألف طن من الديزل فورا، تليها 500 ألف طن في نوفمبر/تشرين الثاني، ومليون طن خلال فترة قصيرة، إضافة إلى كمية مقترحة تبلغ 3 ملايين طن مرتبطة أوضاع قطاع التكرير الروسي.
وفي الحادي عشر من أكتوبر/تشرين الأول، أعلن ترمب وقفا لإطلاق النار في مجال الطاقة. غير أن صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست أفادت بأن كييف لم تكن مطلعة على هذا التفاهم، فيما استمرت الضربات الروسية لمحطات الكهرباء الأوكرانية، وهو ما يضع علامة استفهام حول جدية الالتزامات المعلنة ومدى ترجمتها على الأرض.
هل يخدم الاتفاق المشترين الآخرين؟
هنا يكمن السؤال الجوهري بالنسبة لدول المنطقة وسائر مستوردي الطاقة. فبحسب صحيفة بكين اليومية، هددت واشنطن بتعليق تبادل المعلومات الاستخباراتية ووقف آلية لتوريد الأسلحة إلى أوكرانيا، بهدف حملها على إنهاء ضرباتها للمنشآت الروسية. وتقوم تلك الآلية على قائمة الاحتياجات ذات الأولوية لأوكرانيا، التي تمولها دول أوروبية لشراء أسلحة أمريكية، ما يمنح واشنطن نفوذا واسعا رغم أن الكلفة تتحملها أوروبا.
وفي هذا السياق، حذّر جانغ تشي، الباحث بمركز الصين المعاصرة والعالم في جامعة هونغ كونغ، في تصريحات نقلتها ساوث تشاينا مورنينغ بوست، من إمكانية استمرار تفعيل العقوبات الثانوية ضد مستوردين كبار حتى بعد الاتفاق، رغم استفادة الولايات المتحدة نفسها من الطاقة الروسية.
قال جانغ تشي: إمكانية استمرار تفعيل العقوبات الثانوية ضد مستوردين كبار بعد الاتفاق، حتى مع استفادة الولايات المتحدة نفسها من الطاقة الروسية، تجعل من اعتبار الصفقة ضمانة للمشترين الآخرين أمرا صعبا.
وهذا التحذير يحمل دلالة مهمة لمشتري الطاقة في العالم الإسلامي والخليج، إذ إن كل استثناء جديد يكشف قابلية القواعد الدولية للتعديل وفق المصلحة الآنية لواشنطن، بينما يظل نطاق الحماية التي يوفرها الاتفاق للآخرين رهنا بما تسميه الصحافة الصينية براغماتية الطاقة وخطاب أمريكا أولا.
وقود وانتخابات: البعد الداخلي الأمريكي
تربط ساوث تشاينا مورنينغ بوست الاتفاق مباشرة بارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة واقتراب انتخابات التجديد النصفي المحددة في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني. ويرى ما بو، الأستاذ المشارك في العلاقات الدولية بجامعة نان جينغ، أن التفاهم يحمل طابعا تبادليا وربما يمثل إجراء مؤقتا يعاد النظر فيه بعد الانتخابات.
ويعتبر لين بوتشيانغ، مدير المعهد الصيني لدراسات سياسات الطاقة بجامعة شيامن، في حديث نقلته هوان تشيو، أن الاتفاق مناورة طارئة قبيل الاستحقاق الانتخابي. وتعرض الصحيفة ذاتها آراء خبراء روس يشككون في كفاية الكميات المعلنة لخفض الأسعار الأمريكية بدرجة كبيرة، مع احتمال تأثير الإعلان في توقعات السوق والمضاربة، معتبرين أن الأثر الرئيسي للاتفاق يكمن في بعده الجيوسياسي لا في الإمدادات المباشرة.
حدود الاستثناء وغموض القواعد
نقلت هوان تشيو عن تقارير غربية أن الاتفاق يتضمن تعليقا لعقوبات صادرات الطاقة الروسية لمدة ستة أشهر، مع السماح لموسكو ببيع الديزل بأسعار السوق. ومع ذلك، لا يوجد نص تنظيمي يحدد نطاق هذا التعليق وشروطه والجهات المستفيدة منه، وهو غموض يفرض التحفظ عند تقدير مداه القانوني والتجاري.
ويجدر التمييز هنا بين السماح بمعاملة محددة وبين تغيير السياسة العامة تجاه كبار المشترين، فالإعفاء المرتبط بتوريد الديزل قد يخفف الضغط على موسكو ضمن نطاره الضيق، بينما تبقى معاملات أطراف أخرى معرضة لإجراءات مختلفة تماما. ومن هذا المنطلق، يرى جانغ تشي أن اتفاقية الديزل تنطوي على تناقض ذاتي، وأن قانون غراهام قد يتحول إلى ورقة تفاوض أمريكية مع روسيا والصين والهند.
حسابات بكين وحذر إقليمي
يرى تسوي هونغ جيان، رئيس قسم دراسات الاتحاد الأوروبي في جامعة بكين للدراسات الأجنبية، أن تقييم الاتفاق يتوقف على ما إذا كان سيبقى تدبيرا طارئا أم ستستخدمه موسكو مدخلا لتفكيك أوسع للعقوبات. ويشير تسوي إلى استمرار حاجة روسيا إلى السوق الصينية، الأمر الذي يحد من احتمالات حدوث أثر مباشر كبير في تجارة الطاقة بين البلدين.
أما على الصعيد الأوكراني، فيقدم تشن يو، نائب مدير معهد الدراسات الأوراسية في معاهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة، قراءة متحفظة للتهديدات الأمريكية بتعليق الدعم، مرجحا استخدامها كسلاح تفاوضي في ضوء الكلفة السياسية الداخلية وضغوط الحلفاء الأوروبيين، بينما ينسب تقرير بكين اليومية إلى الضابط الأمريكي دانيال ديفيس تفسيرا أكثر تشاؤما يعتبر هذه الضغوط استعدادا للتخلي عن كييف.
اعتراضات حلفاء وازدواج معايير
لم يخل التحرك الأمريكي من اعتراضات، إذ عرضت هوان تشيو اتهامات الإعلام الهندي لواشنطن بالنفاق وازدواج المعايير، وانتقادات حلفاء أوروبيين يرون في التحرك المنفرد إضعافا للتوافق بشأن العقوبات. وبينما تكشف هذه المواقف أزمة ثقة تجاه واشنطن، فإنها تمنح نيودلهي حجة سياسية للدفاع عن تأمين احتياجاتها من الطاقة، وهو منطق قد تسوغ به دول أخرى تعاملاتها المقبلة.
والدلالة الأعمق التي تخرج بها القراءة المتأنية لهذا الملف هي اتساع مساحة المساومة بين الطاقة والعقوبات والتسليح في السياسة الدولية، وهو اتساع يمنح موسكو فرصة تفاوضية، لكنه يضع بقية المشترين، وفي مقدمتهم دول نامية وسطوى، أمام بيئة تجارية أكثر غموضا وأقل استقرارا. وفي زمن تتشابك فيه مصائر الاقتصادات، تبقى الحكمة في تنويع مصادر الطاقة وتحصين القواعد التجارية من تقلبات السياسة خيارا لا غنى عنه لكل دولة تسعى إلى استقرار يحمي أسرتها ومجتمعها من صدمات الأسواق.
أسئلة شائعة
ما الكميات التي أعلنها التفاهم الأمريكي الروسي بشأن الديزل؟
أعلن ترمب في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026 توفير أكثر من 300 ألف طن من الديزل فورا، تليها 500 ألف طن في نوفمبر/تشرين الثاني ومليون طن خلال فترة قصيرة، إضافة إلى 3 ملايين طن مرتبطة بأوضاع قطاع التكرير الروسي.
هل يعلق الاتفاق العقوبات على الطاقة الروسية؟
نقلت صحيفة هوان تشيو عن تقارير غربية أن الاتفاق يتضمن تعليقا لعقوبات صادرات الطاقة الروسية لمدة ستة أشهر، لكن لا يوجد نص تنظيمي يحدد نطاق التعليق وشروطه والجهات المستفيدة منه.
لماذا يرتبط الاتفاق بالانتخابات الأمريكية؟
يربط محللون الاتفاق بارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة واقتراب انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، معتبرينه مناورة طارئة قد يعاد النظر فيها بعد الاستحقاق.
هل يحمي الاتفاق المشترين الآخرين للطاقة الروسية؟
يرى باحثون صينيون أن استمرار تفعيل العقوبات الثانوية ضد مستوردين كبار وارد، حتى مع استفادة واشنطن نفسها من الطاقة الروسية، ما يصعب اعتبار الصفقة ضمانة للمشترين الآخرين.
