معرض دمشق الدولي.. سبعون عاماً من الاقتصاد والفن في قلب العاصمة
يُعد معرض دمشق الدولي واحداً من أعرق التظاهرات الاقتصادية والثقافية في العالم العربي، حيث جمع على مدى سبعة عقود بين أهداف التجارة والصناعة وروائع الفنون الشرقية والغربية. فمنذ انطلاقته الأولى في الخمسينيات من القرن الماضي، استطاع المعرض أن يرسخ مكانته كوجهة رئيسية للدول والشركات، وكمنصة للتبادل الحضاري بين الشعوب، معززاً مكانة دمشق كعاصمة عربية عريقة تحتضن الإبداع والتنمية.
كيف بدأت فكرة معرض دمشق الدولي؟
تعود جذور فكرة إقامة معرض تجاري في دمشق إلى عشرينيات القرن العشرين، حيث أقيم أول معرض عام 1927 في منطقة سينما العباسية، وكان يقتصر على الثمار المحلية. ثم تتابعت المعارض في السنوات التالية، لكن التحول الكبير حدث في عام 1952 عندما صدر المرسوم التشريعي رقم (141) القاضي بإقامة معرض تجاري سنوي يحمل اسم «معرض دمشق الدولي». وبعد تقلبات سياسية، افتتح الرئيس هاشم الأتاسي المعرض رسمياً في الأول من سبتمبر عام 1954، الموافق للرابع من شهر المحرم 1374 هجرية، في حفل مهيب جمع المسؤولين والمواطنين.
نجاحات اقتصادية وتنظيمية غير مسبوقة
حقق المعرض في دورته الأولى نجاحاً لافتاً، إذ شاركت فيه 26 دولة عربية وأجنبية، وزاره أكثر من مليون شخص خلال شهر كامل، وهو رقم كبير مقارنة بعدد سكان سوريا الذي كان أقل من خمسة ملايين نسمة آنذاك. وقد أقيم المعرض على مساحة 250 ألف متر مربع في منطقة المرج الأخضر على ضفة بردى، مما أضفى عليه طابعاً جمالياً وسياحياً مميزاً. وبفضل هذا النجاح، صدر القانون رقم (40) عام 1955 لإحداث المديرية العامة لمعرض دمشق الدولي كمؤسسة عامة ذات استقلال مالي وإداري، مما ضمن استمراريته وتطوره.
السينراما الأمريكي: إبهار تقني يسبق العالم
من أبرز المحطات في تاريخ المعرض، استقدام نظام «السينراما» السينمائي الجديد عام 1954، وذلك قبل أن يشاهده الجمهور في أي مكان خارج الولايات المتحدة. وقد وافقت القوات الجوية الأمريكية على نقل أكثر من 12 طناً من المعدات، بما في ذلك شاشة عملاقة بارتفاع 75 قدماً، وألفي مقعد في الهواء الطلق. وشاهد العرض نحو 100 ألف سوري وأجنبي، في مقدمتهم الرئيس هاشم الأتاسي، في حدث فريد جذب انتباه العالم إلى دمشق.
الفنون: من أم كلثوم إلى فيروز
لم يكن المعرض مجرد تظاهرة اقتصادية، بل كان أيضاً منصة للفنون الرفيعة. فمنذ الدورة الرابعة عام 1957، اعتلت السيدة أم كلثوم مسرح المعرض المكشوف بحفلتين غنائيتين، لتتوالى بعدها مشاركات كبار الفنانين مثل عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش ووديع الصافي. لكن الحضور الأبرز كان للسيدة فيروز والأخوين رحباني، الذين شاركوا في المعرض على مدى عقدين من الزمن، وقدموا أوبريتات خالدة مثل «الليل والقنديل» و«بترا»، وأغاني تحية لدمشق مثل «سائليني يا شآم» و«شام يا ذا السيف». وقد شكلت هذه المشاركات طقساً سنوياً ينتظره الجمهور السوري بشغف، حتى في السنوات التي تراجعت فيها القيمة التجارية للمعرض.
ماذا يعني انتقال المعرض لمقره الجديد؟
في عام 2003، وبمناسبة مرور نصف قرن على انطلاقه، تم نقل المعرض إلى مدينة المعارض الجديدة خارج دمشق على طريق المطار. ورغم حداثة المقر الجديد، إلا أن الدمشقيين ظلوا يحنون إلى الموقع القديم على ضفة بردى، حيث ارتبطت به ذكريات اجتماعية وفنية عابرة للأجيال. ويظل معرض دمشق الدولي رمزاً للتعاون الاقتصادي والثقافي في المنطقة، وشاهداً على قدرة الشعوب على البناء والإبداع رغم التحديات.
أسئلة شائعة حول معرض دمشق الدولي
متى تأسس معرض دمشق الدولي؟
تأسس المعرض بموجب المرسوم التشريعي رقم (141) عام 1952، وافتتح أبوابه لأول مرة في سبتمبر عام 1954.
ما هي أبرز الدول المشاركة في المعرض؟
شاركت في الدورة الأولى 26 دولة عربية وأجنبية، وارتفع العدد إلى 30 دولة عام 1956، ثم انخفض بعد الوحدة مع مصر إلى 19 دولة.
من هم أبرز الفنانين الذين أحياوا حفلات في المعرض؟
أحيا المعرض عمالقة الفن العربي مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفيروز ووديع الصافي، إضافة إلى فرق عالمية من أمريكا والاتحاد السوفيتي والصين.