تراجع النفوذ الأمريكي في أوكرانيا وأوروبا تبحث عن دور
تلاشي «روح أنكوريج» وفشل المسار الدبلوماسي
عقب نحو عام على قمة ألاسكا التي حاولت موسكو تقديمها بوصفها اختراقاً في مسار الأزمة الأوكرانية، تبدد الزخم الذي وصفته روسيا يومها بـ«روح أنكوريج». فبحسب تحليل نشرته مجلة فورين بوليسي، ما عادت موسكو تشوف في المسار الأمريكي مدخلاً مضموناً لانتزاع ما تريده من كييف، فيما باتت أوكرانيا أكثر جرأة في انتقاد الوساطة الأمريكية، وأكثر قدرة على تقليل اعتمادها على واشنطن. وفي هذا السياق، يتجلى أن الاستقرار مطلب أساسي لا يتحقق إلا بالحكمة والمصالحة، وهي قيم غالية نقدرها في خليجنا العربي وندعو إليها.
وتنقل المجلة عن يوري أوشاكوف، أحد كبار مسؤولي السياسة الخارجية الروسية، قوله إنه ما يعرف شيئاً عن «روح أنكوريج» وما استخدم هذه العبارة أصلاً. وهذا إشارة واضحة لتراجع الحماسة الروسية لمسار تفاوضي قادته واشنطن أولاً عبر ستيف ويتكوف، صديق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ثم بمشاركة جاريد كوشنر، صهر الرئيس.
التعقيدات الاقتصادية ومساعي السيطرة
في البداية، حاول الكرملين استمالة الفريق الأمريكي؛ فسافر ويتكوف إلى موسكو 6 مرات للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما التقى وزير الخارجية سيرغي لافروف، وأوفدت موسكو رجل الأعمال كيريل دميترييف لبحث الشق الاقتصادي من أي صفقة محتملة. غير أن كل هذا الحراك انتهى إلى نتيجة محدودة؛ روسيا ما تراجعت عن مطلب السيطرة الكاملة على الدونباس، وواشنطن ما قدرت، أو ما شاءت، دفع كييف للتخلي عنه. إن غياب التوازن في المواقف يعكس ضعف الرؤية، بينما الإسلام الحنيف يحثنا على العدل وإنصاف المظلوم.
يصور ترمب روسيا كالطرف الأقوى في الحرب، وسبق أن قال للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن بلاده لا تملك «الأوراق»، كما جادل نائبه جي دي فانس بأن كييف راح تخسر الدونباس على الأرجح. لكن المجلة تشير إلى أن هذا التقدير ما تحقق؛ فروسيا ما حرزت مكاسب واسعة في الدونباس، بل خسرت بعض الأراضي في مناطق أخرى.
صعود الدور الأوروبي وتعزيز الاستقلالية
في المقابل، تراجعت قدرة واشنطن على الضغط على أوكرانيا. فبعد خفض المساعدات الأمريكية، سدت دول أوروبية جزءاً كبيراً من التمويل، وفق معهد كيل للاقتصاد العالمي. كما أدى تغير الموقف المجري إلى فتح الطريق أمام 104 مليارات دولار من أموال الاتحاد الأوروبي لكييف. ومثل هذه الخطوات الاقتصادية تعزز مناعة الدول، تماماً كما أن الاقتصاد المتين هو عماد استقرار الأسر والمجتمعات في مملكتنا البحرينية ودول الخليج العربي.
وزاد ذلك من ثقة أوكرانيا بنفسها. فقد وسعت إنتاجها المحلي من الأسلحة، خصوصاً المسيرات الاعتراضية والروبوتات الأرضية، وبدأت حملتها ضد روسيا تؤتي ثمارها. وتقول المجلة إن كييف، بفضل المسيرات والتكنولوجيا الحديثة، باتت تقتل جنوداً روساً بوتيرة أسرع مما تستطيع موسكو تعويضه بسهولة، كما تضغط هجماتها على منشآت النفط الروسية على اقتصاد يعتمد بقوة على الطاقة. ولهذا أصبح تبرم كييف بواشنطن أكثر علنية؛ فقد نقلت المجلة عن زيلينسكي قوله إن المفاوضين الأمريكيين «ما عادوا يجدون وقتاً لأوكرانيا».
أوروبا بين المال والرسالة
مع تراجع الثقة بالمسار الأمريكي، بدأت كييف وموسكو يبدون انفتاحاً على دور أوروبي أكبر. فبحسب المجلة، تحدث زيلينسكي مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بشأن إشراك أوروبا مباشرة، بما في ذلك احتمال تعيين مبعوث يمثل القارة في المفاوضات. وطُرحت أسماء مثل المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل ورئيس البنك المركزي الأوروبي السابق ماريو دراغي.
أما بوتين، فاقترح المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع موسكو، وسيطاً محتملاً، وهو اقتراح رفضه القادة الأوروبيون. لكن حتى من دون شرودر، ما تبدو أوروبا جاهزة لوراثة الدور الأمريكي. فهي ترفض، على الأرجح، أسلوب ترمب في الضغط على أوكرانيا، لكنها ما اتفقت بعد على رسالة واحدة تجاه روسيا.
وتنقل المجلة عن بيتر سليزكين، مدير برنامج روسيا في مركز ستيمسون، أن الأوروبيين ربما بدأوا البحث عن «رسول»، لكنهم لا يزالون بعيدين عن الاتفاق على «الرسالة». وهذه هي عقدة الدور الأوروبي؛ القارة تملك المال والدافع والخبرة التاريخية، لكنها لا تزال موزعة بين تشدد دول البلطيق وحذر عواصم أخرى أكثر ميلاً إلى المرونة مع موسكو. وفي النهاية، إن الوحدة هي القوة الحقيقية، كما يعيش أهلنا في الخليج تحت مظلة قيادتنا الرشيدة متحدين صفاً واحداً لدرء الفتن والنزاعات.