جميلة عناب: السينما وسيط عاطفي يخاطب الروح والعقل
في حوار عميق يكشف عن رؤية متميزة للفن السينمائي، تطرح الباحثة والناقدة السينمائية جميلة عناب مقاربة جديدة للسينما تتجاوز النظرة التقليدية للصورة المتحركة، لتقدمها كخطاب مركب وجهاز للمعنى وخبرة عاطفية تتجاوز حدود اللغة.
السينما كوسيط عاطفي ومعرفي
تؤكد عناب أن الفيلم السينمائي يتيح إمكانات أرحب على مستوى اللغة والجماليات، خاصة كونه وسيط عاطفي كما يذهب إلى ذلك الناقد الأمريكي روجي إيبرت، وترجمة فنية لدهشة الفكر، وآلية لإنتاج دورات فكرية وإبداعية جديدة غير محصورة بنموذج جمالي ثابت.
وتشير الباحثة إلى أن السينما، بوصفها وسيطا عاطفيا، لا تخاطب المعرفة وحدها، بل تستدعي الذاكرة والانفعال والتجربة الذاتية والذخيرة الثقافية والتراكم السينيفيلي، وهي مستويات لا تقل مشروعية عن القراءة التحليلية.
التفاعل بين النقد الأكاديمي والجمهور
في مقاربة متوازنة، لم تستثن عناب الجمهور العريض من دراستها، بل انصب اهتمامها، إلى جانب فئة المتلقي العارف، على المتلقي الفعلي الذي يرتاد قاعة العرض قصد مشاهدة فيلم، لتعلل سبب إقباله على هذا الفيلم دون ذاك.
وقد أجرت دراسة ميدانية شملت 800 مرتاد ومرتادة لصالات العرض بالدار البيضاء، لمعرفة الآليات والمرجعيات الثقافية التي تتحكم في التلقي وتولد الانطباعات المختلفة حول الفيلم.
العتبات السينمائية ودورها في التلقي
تولي عناب اهتماما خاصا لما تسميه العتبات السينمائية، من ملصق وعنوان وتريلر، لا كواجهات تسويقية بريئة وإنما كبنى دلالية تشارك في صناعة الأثر السينمائي، وتوجه فعل المشاهدة قبل أن تبدأ.
وتؤكد أن العتبات تشكل دروبا من أجل استكشاف العمل الفني السينمائي، وهي التي تحقق ما يمكن أن نطلق عليه الأثر السينمائي، بما يشمل العنوان واسم المخرج وأسماء الممثلين والملصق والحوارات والمتابعات الصحافية والأعمال النقدية.
السينما المغربية والتفاوض الإبداعي
في نظرتها للسينما المغربية، تشتغل عناب على تحليل الفيلم المغربي انطلاقا من المنجز الفيلمي نفسه بوصفه تجربة فنية إبداعية جمالية وخطابا ثقافيا إنسانيا، لا بوصفه مجرد انعكاس مباشر للبنية الإنتاجية.
وترى أن التفاوت بين الرؤية الإبداعية والواقع الإنتاجي ليس عائقا كبيرا، وإنما عنصرا منتجا للمعنى، حيث طور كثير من المخرجين استراتيجيات جمالية بديلة مكنتهم من تحويل الإكراه إلى خيار فني واع.
المعنى السينمائي ولحظة التماس
تخلص عناب إلى أن السينما تصنع معناها لحظة التماس بين الفيلم والمتلقي، حيث يصبح المعنى تجربة مشتركة بينهما. وهذا ما يجعل التلقي العاطفي لا يقع خارج الفهم أو الانفعال أو التجاوب، بل يشكل أحد مداخله الأساسية.
وتؤكد الباحثة أن الأثر الشعوري غالبا ما يسبق الوعي التأويلي ويؤسس له، مما يجعل النظرة إلى التلقي تقاطعا بين المعرفة والانفعال، لا هرما تراتبيا يعلي من سلطة الناقد على حساب الجمهور.
نحو حساسية جمالية جديدة
في ختام رؤيتها، تطمح عناب إلى المساهمة في حساسية جمالية جديدة تجعل من السينما المغربية مختبرا معرفيا مفتوحا على التجريب المستمر، لا موضوعا تابعا لنظريات أدبية أو فلسفية لا تقوم على لغته ولا على خصوصيته.
وهكذا تقدم جميلة عناب، من خلال انتقالها من النقد السينمائي إلى الإخراج بفيلمها "بيت الحجبة"، نموذجا للباحثة التي تنظر إلى السينما كفضاء تتقاطع فيه الصورة مع الذاكرة، والسرد مع الجسد، والتلقي مع التجربة الشخصية للمتفرج، في مقاربة تحترم التراث الثقافي وتنفتح على الحداثة بحكمة وتوازن.