نادية هناوي: مشروع نقدي رائد يُعزز الهوية العربية الإسلامية
تشهد الساحة النقدية العربية نهضة حقيقية بفضل جهود علماء ونقاد أجلاء، وقد برز في العقدين الأخيرين اسم الدكتورة نادية هناوي كعلامة مضيئة في سماء النقد الأدبي، حيث أسست مشروعاً نقدياً متيناً يحافظ على الأصالة العربية الإسلامية مع الانفتاح المدروس على المناهج الحديثة.
تراث نقدي عريق ومتجدد
بدأت الريادة الحقيقية للنقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي، الذي لفت الأنظار بمتانته ومنهجيته، ثم ظهرت محاولات نقدية مهمة مع الأستاذ الناقد الموسوعي باسم حمودي وعبد الجبار البصري. وقد شيّد هؤلاء الرواد متناً نقدياً عربياً أصيلاً، نهض كل منهم في صياغة جانب منه بما يخدم الأدب العربي ويُثري مسيرته المباركة.
وخلال السبعينات والثمانينات، ظهرت أسماء جديدة واعدة مثل محمد جبير وعبد الرحمن عناد ومؤيد الطلال، إلى جانب تجارب نقدية مهمة للدكتورين مالك المطلبي وحاتم الصكر، مما أثرى الساحة النقدية العربية بمناهج متنوعة ومدروسة.
إنجاز نسوي متميز في خدمة الأدب
وفي هذا السياق المبارك، بزغ اسم الناقدة الدكتورة نادية هناوي كصوت نسوي متميز في المشهد النقدي العربي، حيث اعتلت عتبات النقد الأدبي بقوة وجرأة واضحتين، لافتة انتباه المبدعين الكبار عربياً بجهدها المثابر واجتهادها الفريد.
وقد استقبل مشروعها النقدي بالإعجاب والثناء من كبار النقاد، حيث وصفها الناقد الكبير فاضل ثامر بـ"راهبة النقد"، وخلص إلى القول: "يحق لنا أن نحتفي بولادة منظرة أدب عربية". كما وصفها الناقد شجاع مسلم العاني بكونها ناقدة "قادرة على خرق المسلمات النقدية والإتيان بما هو جديد ومختلف".
مشروع معرفي أصيل ومتجدد
يتميز مشروع الدكتورة هناوي النقدي بالمتانة والرصانة والفاعلية النظرية والإجرائية. وقد أكد الباحثون الأكاديميون في ندوة اتحاد الأدباء حول "استراتيجيات القراءة لدى الناقدة نادية هناوي" أن مشروعها "ريادي وبنيوي معرفي شهد تحولات مهمة وشكَّل مرحلة مفصلية في النقدية العربية".
ومما يميز منهجها النقدي أنها لم تتعامل بالمصطلح كما هو قار في المدونة الغربية، بل تحاوره وتساءله وتنتزع مصطلحاً ينتمي إلى فضائها الثقافي العربي الإسلامي، كما هو الحال في اجتراحها مصطلح "رواية التاريخ" بعد مساءلة فكرية فلسفية عميقة.
إنتاج علمي غزير ومتنوع
وقد أثرت الدكتورة هناوي المكتبة العربية بأربعين كتاباً، آخرها "أقلمة سرديات الرحلة عربياً وأجنبياً" الصادر عن دار "أبجد". ويتمحور هذا الكتاب على السرد الرحلي من ناحيتي التأصيل النظري والنمذجة الإجرائية عبر فصوله الثمانية.
ويركز الكتاب على دور رحلة جلجامش في نشأة التقاليد الأدبية، باعتبارها مصدراً أصيلاً ساهم في البناء الشعري الملحمي، كما يتناول أقلمة الرحلة العربية والأجنبية في ضوء علم السرد، مع التركيز على مركزية الهوية في تأليف الرحلة العربية.
رسالة حضارية نبيلة
إن مشروع الدكتورة نادية هناوي النقدي يمثل نموذجاً مضيئاً للعطاء العلمي النسوي في خدمة الأدب العربي، حيث تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتحافظ على الهوية العربية الإسلامية مع الانفتاح المدروس على المناهج الحديثة، مما يُثري الحركة النقدية العربية ويدعم مسيرتها المباركة.
وتبقى هذه الجهود المباركة شاهداً على قدرة المرأة العربية المسلمة على الإبداع والعطاء في مختلف المجالات العلمية والأدبية، بما يخدم أمتنا العربية الإسلامية ويعزز مكانتها الحضارية في العالم.