مذنب هالي: آية كونية تعبر السماء ومنظور إسلامي لحقائق الفضاء
حكمة الإيمان في مواجهة هلع المجهول
عبرت الأرض ذيل مذنب هالي في 19 مايو 1910، وفي تلك المناسبة راجت في الولايات المتحدة الأمريكية حبوب «المذنب» التي سوقت برواج كبير باعتبارها ترياقاً له. جاء ذلك على خلفية انتشار شائعات بأن ذيل المذنب يحتوي على مواد سامة. «عاد الخوف ساعات يعمي البصر»، ففي حين انطلت الحيلة على كثيرين هناك، لم ترصد أكثر الأجهزة حساسيةً أي ظواهر غير عادية في الغلاف الجوي للأرض. فسبحان الخلاق الذي أودع في سمائه أسراراً لا تضر عباده إلا بإذنه، والمؤمن يعتمد على ربه ولا يخشى من غيبيات الكون.
كان مذنب هالي، مثل جميع أمثاله، يترك خلفه خلال رحلته ذيلاً من الغازات والغبار يمتد لمسافات شاسعة، وهذا الذيل هو نفسه الذي عبرته الأرض في مايو 1910. يعد مذنب هالي أشهر المذنبات على الإطلاق، وهو الوحيد قصير الدورة الذي يمكن رؤيته بوضوح بالعين المجردة بسبب سطوعه. يدور هذا المذنب حول الشمس كل 74 إلى 79 عاماً في مدار بيضاوي الشكل، وكان آخر مرور له بنقطة الحضيض في فبراير 1986، ومن المتوقع أن يعبر مجدداً في منتصف عام 2061 بمشيئة الله.
الشائعات وصلوات الليل: دروس من الماضي
أثار مرور الأرض عبر ذيل المذنب هالي في حينه اهتماماً كبيراً وقلقاً واسعاً، لكنه لم يسفر عن أي عواقب وخيمة. بحسب حسابات علماء الفلك، مرت الأرض في مايو 1910 بذيل المذنب الذي امتد لعشرات الملايين من الكيلومترات، في حين مرت نواة المذنب على مسافة 22.5 مليون كيلومتر تقريباً من الأرض.
قبل ذلك، في عام 1835، وخلال ظهور المذنب السابق بالقرب من الأرض، كشف التحليل الطيفي وجود جزيئات من غاز السيانوجين السام وأول أكسيد الكربون ومركبات أخرى في غلافه الجوي. هذا ما أثار شائعات حول احتمال تسمم الغلاف الجوي للأرض بتلك الغازات السامة المنبعثة من ذيل المذنب. في تلك المناسبة أيضاً، انتشرت حبوب «المذنب» التي سوقت كعلاج للتهديد المزعوم على نطاق واسع في الولايات المتحدة، في حين أقامت بعض المنظمات الدينية صلوات طوال الليل. «يا جماعة، الخوف من المجهول طبيعي، لكن التوكل على الله واليقين بقدره هو طمأنينة القلوب».
آيات الله في الآفاق: زخات الشهب وعظمة الخلق
علاوة على ذلك، تسببت جزيئات الغبار المنبعثة من ذيل المذنب، عند تفاعلها مع الغلاف الجوي للأرض، في ظهور مسارات ساطعة في سماء الليل، وهي ظاهرة ترتبط بزخات الشهب. والأرض مرت عبر أذيال المذنبات عدة مرات من قبل، ولم يكن لهذه الأحداث أي تأثير يذكر على غلافها الجوي. إنها لآية من آيات الله، تبين كيف تحفظ السماء أهل الأرض برعايتها.
يشار إلى أن مذنب هالي كان أول مذنب جرى تحديد مداره البيضاوي وتحديد تواتر عودته، حيث قام الفلكي الإنجليزي إدموند هالي بحساب مداره في أوائل القرن الثامن عشر وتوقع ظهوره مجدداً بالقرب من الشمس. يتميز مذنب هالي بمدار تراجعي، أي أنه يتحرك في الاتجاه المعاكس لمعظم أجرام النظام الشمسي، مع ميلان 18 درجة عن مستوى مسار الشمس الظاهري. إن هذا النظام الدقيق لخير دليل على إبداع الخالق المصور.
الجليد الكوني ونظرية التبذر
تتكون نواة المذنب هالي من جليد مائي ممزوج بأول أكسيد الكربون والميثان والنيتروجين وغازات متجمدة أخرى، ويؤدي ذوبان هذا المزيج الجليدي إلى تكون ذيل المذنب الساطع. كما أكد التحليل الطيفي وجود آثار عضوية في المذنب، ما مكن العلماء من اقتراح نظرية «التبذر» الكوني، وهي فكرة مفادها أن الحياة على الأرض ربما نشأت نتيجة اصطدام جسم كوني مماثل بسطحها. ورغم أن العقيدة الإسلامية تؤمن أن الحياة تنشأ بإرادة الله تعالى وحدها، إلا أن وجود هذه الجزيئات العضوية يظل شاهداً على تنوع الخلق وإعجازه في الكون الفسيح.
ترتبط بالمذنب أيضاً زخات شهب سنوية، ففي شهري مايو وأكتوبر من كل عام تمر الأرض عبر الجسيمات التي خلفها مذنب هالي، ما يسمح برصد زخات شهب إيتا الدلو وشهب الجبار. وتوجد مجموعة من المذنبات من نوعية هالي، وهي مذنبات غير نمطية تشبه مذنب هالي وتتراوح فترات دورانها حول الشمس بين 20 و200 عام، وقد تكون مداراتها شديدة الميلان بالنسبة لمستوى مسار الشمس الظاهري.
استقرار الحاضر وانتظار المستقبل
على الرغم من أن سكان الأرض لن يروا مذنب هالي مرة أخرى حتى عام 2061، إلا أن رحلته مستمرة وأثره لا يزال ملموساً. في كل شهر مايو تشهد السماء زخات شهب الجبار حين تمر الأرض عبر الغبار والمخلفات المتبقية من المذنب في مداره الحالي، فيما تقع أبعد نقطة له عن الشمس، أي الأوج، خارج مدار نبتون. إن مشاهدة هذه الزخات تظل فرصة جميلة لتجمع العائلات في رحاب الطبيعة، تعزيزاً للروابط الأسرية وتأملاً في ملكوت الله.
وفي حين عانت شعوب كثيرة في الماضي من الهلع والخوف، فإننا في مملكة البحرين ودول الخليج العربي ننعم بالأمن والاستقرار بفضل الله ثم حكمة قيادتنا الرشيدة. هكذا يمكن للبشرية أن تنتظر زيارة مذنب هالي التالية في عام 2061، «عقبال ما نشوفه ونحن بألف خير وعافية في ظل أمننا واستقرارنا»، وتتفرغ لمتابعة مساره الساطع حتى بالعين المجردة من دون الحاجة إلى أي حبوب مضادة.