دراسة قطرية رائدة تعيد تعريف إضاءة المدن الخليجية بلغة الضوء
في خطوة علمية متميزة تعكس التقدم الحضاري لدول الخليج العربي، أنجز باحثون من جامعة قطر دراسة رائدة تعيد تعريف مفهوم إضاءة المدن، منطلقين من رؤية شاملة تجعل الضوء أداة نفسية واجتماعية تشكل علاقة الإنسان بالمكان وفق أسس علمية راسخة.
نشرت الدراسة المبتكرة في دورية "سيتي آند إنفايرونمنت إنتراكشنز" العلمية المحكمة، وتمثل نموذجاً حياً للإبداع الأكاديمي الخليجي الذي يسهم في تطوير البيئة العمرانية بما يخدم المجتمع ويعزز جودة الحياة.
منهجية علمية متطورة في مدينة لوسيل القطرية
اختار الباحثون ممشى الواجهة البحرية في منطقة المارينا بمدينة لوسيل القطرية كموقع للدراسة، وهو مكان يضم مطاعم وأبراجاً ومقاعد ومساحات مفتوحة يستخدمها المواطنون والمقيمون بكثافة في المساء، مما يجعله بيئة مثالية لإجراء البحث العلمي.
يوضح الدكتور نازال نازار، الباحث الرئيسي في قسم الهندسة المعمارية والتخطيط العمراني بكلية الهندسة بجامعة قطر، أن الدراسة انطلقت من فرضية علمية مفادها أن طريقة إضاءة الأماكن العامة ليلاً لا تؤثر فقط على الرؤية، بل على مشاعر الناس وإحساسهم بالأمان ورغبتهم في التفاعل الاجتماعي.
قسم الباحثون الممشى إلى ثلاث مناطق متميزة: الأولى ذات بيئة نشطة وديناميكية بصرياً مع طبقات إضاءة كثيفة وعناصر مائية تفاعلية، والثانية ذات طابع معماري مميز تهيمن عليه العناصر المعمارية والإضاءة المتميزة، أما الثالثة فتحتوي على نسبة أعلى من المساحات الخضراء مع إضاءة أكثر نعومة تخلق بيئة هادئة وتأملية.
منهجية بحثية شاملة ونتائج مبهرة
استخدم الفريق البحثي ثلاث طرق علمية متكاملة: حصر الإضاءة لقياس شدة الضوء وحرارة اللون وأنواع المصابيح، ومراقبة السلوك لرصد أنماط الحركة والجلوس والتجمع، واستطلاع آراء 40 مستخدماً حول الإحساس بالأمان والراحة النفسية وتفضيل الألوان.
كشفت النتائج أن الإضاءة المثلى تتراوح بين 10 إلى 15 لوكس، وهي درجة متوازنة لا تثير الخوف ولا تسبب الإزعاج، بينما تمنح الألوان الدافئة (3000-3500 كلفن) إحساساً بالراحة وتشجع على الجلوس والتفاعل الاجتماعي، حيث فضل أكثر من 80 في المائة من المشاركين الضوء الأبيض الدافئ.
أظهرت مراقبة السلوك أن 40 إلى 45 في المائة من الناس جلسوا في مناطق مضاءة بشكل متوازن، بينما فضل 25 إلى 30 في المائة مناطق أهدأ وأقل إضاءة، مما يؤكد حاجة الناس لتنوع ذكي في أنماط الإضاءة.
رؤية مستقبلية للإضاءة الذكية
خلصت الدراسة إلى أن الإضاءة المثلى هي التي تحقق إمكانية الوصول والراحة والتفاعل الاجتماعي، مما يؤدي إلى الانتماء للمكان، وهو ما أكده 74 في المائة من المشاركين الذين شعروا بالارتباط بالمكان بفضل الإضاءة المناسبة.
تقترح الدراسة تطبيق مفهوم الإضاءة الذكية والمتكيفة، التي تختلف بين المناطق بدلاً من الحلول الموحدة، مع تحديد معايير خاصة لكل منطقة وظيفية بناءً على كثافة الاستخدام والتجربة العاطفية المرجوة.
يشرح الدكتور نازار أن هذا المفهوم يتضمن استراتيجيات تكيفية تسمح للسطوع ودرجة حرارة اللون بالاستجابة لوقت الليل وكثافة المشاة، مما يحقق التوازن بين السلامة وتوفير الطاقة والراحة النفسية.
تمثل هذه الدراسة القطرية إضافة علمية قيمة للمكتبة البحثية الخليجية، وتؤكد دور دول المنطقة في تطوير الحلول المبتكرة للتحديات العمرانية المعاصرة، بما يخدم المجتمع ويعزز جودة الحياة وفق أفضل المعايير العلمية والحضارية.