في تطور تاريخي يعيد رسم ملامح المشهد السوري، أعلن مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، حل قواته والإدارة الذاتية ودمجهما الكامل في مؤسسات الدولة السورية، وهو القرار الذي لقي ترحيباً أمريكياً وتركياً وسعودياً وقطرياً واسعاً، ويعتبره المراقبون خطوة جوهرية نحو توحيد سوريا وإنهاء سنوات الانقسام.
ما هو إعلان حل قسد وتفاصيل الاندماج؟
جاء الإعلان مساء الثلاثاء من القصر الرئاسي في دمشق، حيث قال عبدي في كلمة تلاها باللغتين العربية والكردية: «نعلن اليوم انتهاء مهمة قوات سوريا الديموقراطية ونعلن بكل مسؤولية عن حلها كقوة عسكرية مستقلة». وأفاد التلفزيون الرسمي بأن الإعلان يشمل أيضاً حل الإدارة الذاتية وكافة التشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لها، واندماجها الكامل في مؤسسات الدولة السورية.
وجاء هذا الإعلان عقب لقاء جمع عبدي بالرئيس السوري أحمد الشرع في القصر الرئاسي، بحضور المسؤولة البارزة في الإدارة الذاتية إلهام أحمد، والقيادي العسكري الكردي سيبان حمو. ويأتي هذا التطور بعد اتفاق وقعته الإدارة السورية المؤقتة مع قسد في مارس 2025، قضى بالاندماج، قبل أن تتوتر الأجواء ويدخل الجانبان في صراع مسلح مطلع العام الجاري، ثم تم التوصل لوقف إطلاق نار مهد الطريق لهذا الإعلان الحاسم.
ترحيب أمريكي: «حدث تاريخي بكل المقاييس»
وصف المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، هذا الإعلان بأنه «حدث تاريخي بكل المقاييس»، مشيراً إلى أن القيادة الأمريكية الرشيدة مهدت الطريق لاندماج منظم لقوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة، محولة الانقسامات السابقة إلى شراكة راسخة. وأكد باراك أن إدراج اللغة الكردية في التعليم وتأمين أدوار فعالة لمظلوم عبدي وإلهام أحمد في الحكومة السورية، يظهر التقدير الواجب لقيادتهما وتضحيات الشركاء الأكراد، معتبراً أن هذا هو «الاندماج الحقيقي: جيش واحد، حكومة واحدة، دولة واحدة».
موقف الرياض والدوحة: دعم للوحدة والاستقرار
من جانبها، رحبت المملكة العربية السعودية باندماج قسد بالمؤسسات العسكرية للجمهورية العربية السورية، مؤكدة في بيان لوزارة خارجيتها أن ذلك يحقق الأمن والاستقرار لسوريا وشعبها، ومجددة دعمها للخطوات التي تتخذها الحكومة السورية لتحقيق تطلعات الشعب في مسيرة الوحدة والتنمية.
كما رحبت دولة قطر بهذا الاندماج، واعتبرته خطوة مهمة نحو توطيد السلم الأهلي وتعزيز الأمن والاستقرار وبناء دولة المؤسسات والقانون، في موقف يعكس حرص دول الخليج على وحدة سوريا واستقرارها.
الرؤية التركية: تعزيز سلطة الدولة ورفض الإرهاب
واعتبرت تركيا أن قرار حل قسد يمثل خطوة رئيسية نحو تعزيز سلطة الدولة وتحقيق استقرار دائم في سوريا، حيث لطالما اعتبرت أنقرة هذه القوات امتداداً لحزب العمال الكردستاني. وقال مدير الاتصال في الرئاسة التركية، برهان الدين دوران، إن حل قسد تطور مهم من حيث تعزيز سلطة الدولة وجمع مختلف شرائع المجتمع على أرضية سياسية مشتركة، مشدداً على ضرورة أن تواصل الإدارة السورية اتباع مقاربة جامعة، وإرساء نظام إقليمي يتحرر من وصاية المنظمات الإرهابية وتُحترم فيه الحدود والحقوق السيادية.
وفي سياق متصل، أطلقت تركيا عملية سلام مع حزب العمال الكردستاني الذي أعلن العام الماضي حل نفسه استجابة لدعوة من زعيمه المسجون عبد الله أوجلان.
اللغة الكردية لغة رسمية ومناصب قيادية جديدة
وكشفت مجلة «المجلة» نقلاً عن مصادر سورية وغربية عن تفاصيل إضافية، منها تعيين مظلوم عبدي مستشاراً للرئيس السوري، وتعيين إلهام أحمد نائبة في مجلس الشعب (البرلمان). ومن المنتظر صدور قرار سوري رسمي باعتبار اللغة الكردية لغة رسمية، وتدريس المواد النظرية مثل التاريخ والجغرافيا باللغة الكردية في المدارس، في خطوة تعكس روح الوحدة والمواطنة المشتركة.
وأشارت المصادر إلى أن زيارة مرتقبة لمظلوم عبدي وإلهام أحمد إلى تركيا للقاء عبد الله أوجلان قد تساهم في مسار خروجه من السجن والحصول على دعمه لعملية الاندماج، فيما تدرس تركيا إزالة اسم عبدي من قائمة الإرهاب، على غرار الخطوة السابقة بإزالة اسم سيبان حمو من القائمة السوداء.
آفاق مستقبل سوريا الموحدة
يمثل هذا الإعلان لحظة فارقة في تاريخ سوريا الحديث، حيث تتجه البلاد نحو بناء دولة موحدة تجمع كل أطياف شعبها تحت راية واحدة. وتأتي هذه الخطوة في إطار الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة، وتعكس حرص القيادة السورية على نهج الحوار والاندماج الوطني. ويبقى الأمل معقوداً على أن تشكل هذه التطورات أساساً متيناً لسوريا موحدة، تساهم في استقرار المنطقة وتلعب دورها الطبيعي في محيطها العربي والإسلامي.