بعد خمس سنوات من حكمها لأفغانستان.. طالبان تكشف مواقفها من المرأة والسياسة والإعلام
في ذكرى مرور خمس سنوات على سيطرة حركة طالبان على العاصمة الأفغانية كابل، تتجلى ملامح السياسة الداخلية للحركة بشكل أكثر وضوحاً مما كانت عليه في أغسطس 2021، حين وعد مسؤولوها بتعليم النساء وعملهن، وبحكومة «شاملة»، وإعلام حر ومستقل ضمن الأطر التي تحددها الحركة. غير أن التصريحات الأخيرة لبعض أبرز قادة الحركة تكشف عن مواقف أكثر صرامة تجاه المرأة والسياسة والإعلام، مما يثير تساؤلات حول مدى تغير الحركة بعد خمس سنوات من الحكم.
تصريحات مسؤول طالباني عن المرأة تثير جدلاً واسعاً
في مكتب حاكم ولاية جوزجان السابق، ملا عبد الله سرحدي، وقفت شابة في الثامنة عشرة من عمرها تصر على الانفصال عن زوج تقول إنه ضربها وأساء معاملتها لأشهر. حاول الحاكم إقناعها بالتراجع، وحين لم تفعل، التفت إلى الحاضرين قائلاً: «المرأة بلا عقل، ناقصة عقل، لا تفهم شيئاً». ولم تكن تلك التصريحات الوحيدة له، إذ قال في مقابلة مع شبكة «بي بي سي» إن «العلماء يقولون إن المرأة لا ينبغي أن تخرج من المنزل»، وإن ذهابها إلى المدرسة يجعلها «تعيسة» و«تنفتح عيناها»، في إشارة إلى أنها تصبح أكثر جرأة.
ويُذكر أن ملا عبد الله سرحدي كان قائداً للوحدات الخاصة العسكرية في حكومة طالبان الأولى بين عامي 1996 و2001، واحتُجز لعدة سنوات في معتقل غوانتانامو، قبل أن يُنقل في 22 يوليو الماضي من منصب حاكم جوزجان إلى نائب قائد فيلق الجيش «217 عمري» المتمركز في شمال أفغانستان.
«دمرت تمثالي بوذا بيدي».. اعتراف صادم
أكثر تصريحات ملا عبد الله سرحدي إثارة للجدل كان اعترافه بتدمير تمثالي بوذا في وادي باميان، اللذين يعودان إلى نحو 1500 عام ويبلغ ارتفاعهما نحو 55 و38 متراً، وكانا من أبرز آثار المنطقة على طريق الحرير. فعندما سأله مراسل «بي بي سي» عن دوره في التدمير، قال وهو يضحك: «أنا دمرته بيدي، ماذا تريد مني أن أقول؟»، ثم أضاف أمام الكاميرا أنه لا يشعر بالندم، مؤكداً: «نحن محطمون للأصنام ولسنا بائعي أصنام»، وأنهم كانوا ثابتين على موقفهم «بالأمس» وما زالوا عليه «اليوم».
وكانت طالبان قد دمرت التمثالين في مارس 2001 بأمر من مؤسس الحركة الملا عمر باستخدام المتفجرات. والمفارقة أن عناصر طالبان باتوا بعد عودتهم إلى السلطة يحرسون التجاويف الصخرية التي خلفها التدمير، فيما تتركز أعمال الحماية على تثبيت الموقع وما تبقى من آثاره.
متحدث طالبان: عمل النساء يسبب مفاسد
أما المتحدث باسم حكومة طالبان، ذبيح الله مجاهد، الذي كشف لشبكة «بي بي سي» أن اسمه الحقيقي «طاهر شاه صديقي»، فقد قدم تفسيراً أكثر وضوحاً لسياسة الحركة تجاه النساء، وقال إن الحقوق وحرية التعبير تخضع للشريعة الإسلامية، وإن وجود النساء في مكاتب مثل مكتبه «يسبب مفاسد» وقد يمس كرامتهن، فيما لا يزال تعليمهن «قيد الدراسة» ويحتاج إلى «حل شرعي»، بحسب تعبيره.
وفي الشأن السياسي، ذهب مجاهد أبعد من خطاب «الحكومة الشاملة» الذي قدمته الحركة عام 2021، قائلاً إن جمع التيارات السياسية المختلفة لن يسمح ببناء نظام مستقر لأن الأفغان «لا يتحمل بعضهم بعضاً»، وإن الأفضل أن تحكم البلاد «حكومة واحدة بفكر واحد».
الإعلام في نظر طالبان: حرية ضمن حدود الشريعة
لم يغب الإعلام عن المقابلات، ففي عام 2021 قال مجاهد إن وسائل الإعلام الخاصة ستظل «حرة ومستقلة» ويمكنها انتقاد الحكومة، أما اليوم فيقول: «لا يمكننا أن نسمح للإعلام بأن يقوم بأي دعاية يريدها أو يقول أي أكاذيب ولا أن يبث ما يخالف الأحكام والشعائر»، بحسب تعبيره.
وظهرت المفارقة خلال زيارته لقناة «طلوع نيوز» الإخبارية، التي كانت طالبان قد أعلنتها «هدفاً عسكرياً» في 2015، قبل أن يستهدف انتحاري حافلة لموظفيها في كابل في يناير 2016، ما أدى إلى مقتل سبعة منهم. وعندما ذكّره مراسل «بي بي سي» بالهجوم، قال إن «الظروف تغيرت»، وشبّه ما حدث بخلاف بين أخوين يتصالحان لاحقاً، مضيفاً أنه لا يريد استحضار «مآسي الماضي». وفي مايو الماضي، اعتقلت استخبارات طالبان منصور نيازي وعمران دانش، وهما من مذيعي «طلوع نيوز»، قبل الإفراج عنهما بعد نحو أسبوعين.
هل تغيرت طالبان؟
بعد خمس سنوات، لا تحسم هذه التصريحات ما إذا كانت طالبان قد تغيرت، لكنها تكشف بوضوح أكبر كيف يرى بعض أبرز مسؤوليها الدولة والمجتمع والمرأة والإعلام، بعدما كانت هذه المواقف تقدم بلغة أكثر حذراً أمام الداخل والخارج. ويبقى السؤال حول مستقبل أفغانستان في ظل هذه السياسات، وما إذا كانت الحركة ستتمكن من تحقيق الاستقرار الذي وعدت به، في وقت تترقب فيه المنطقة والعالم تطورات الأوضاع هناك.