55% من القراء يعترفون: نقرأ أقل مما نرغب.. هل الكتب القصيرة هي الحل؟
في زمن تتزاحم فيه الالتزامات وتتشتت الأذهان، يجد كثير من القراء أنفسهم عاجزين عن إتمام كتاب حتى صفحته الأخيرة. فمع ضيق الوقت وتراجع التركيز، أصبح الكتاب الطويل عبئًا يصعب الحفاظ عليه وسط إيقاع الحياة اليومية المتسارع. هذه الأزمة لم تقتصر على الأفراد، بل دفعت مؤسسات ثقافية بريطانية إلى البحث عن حلول مبتكرة لإعادة البالغين إلى سكة القراءة، ومن أبرزها برنامج Quick Reads الذي يقدم كتبًا قصيرة وميسرة منذ عقدين.
الفجوة بين الرغبة في القراءة والممارسة الفعلية
تكشف بيانات أولية من تقرير State of the Nation's Adult Reading في بريطانيا عن تناقض واضح؛ إذ صرح 55% من المشاركين أنهم يقرؤون أقل مما يتمنون، بينما أفاد أكثر من ثلث البالغين بأنهم يجدون صعوبة في مواصلة قراءة الكتب حتى نهايتها. ومن بين الذين ترکوا كتبًا قبل إكمالها، قال 4 من كل 10 إنهم فقدوا الاهتمام، بينما أشار 22% إلى ضيق الوقت، واعتبر 21% أن ارتفاع أسعار الكتب يشكل عائقًا أمام شراء الأدب بانتظام. وفي الفئة العمرية بين 16 و24 عامًا، ذكر 19% أنهم لا يجدون بسهولة كتبًا تمثل هويتهم أو ثقافتهم.
هل الكتاب القصير هو الحل الأمثل؟
عندما أُطلق برنامج Quick Reads في بريطانيا عام 2006، كان هدفه الأساسي توفير كتب قصيرة بأسلوب سهل، ليكون القارئ الذي ابتعد عن الكتب أو لا يملك وقتًا طويلًا قادرًا على البدء من جديد دون شعور بالمهمة الشاقة. وخلال عقدين، وزع البرنامج أكثر من 5 ملايين كتاب، وسجلت المكتبات أكثر من 6 ملايين إعارة لكتب صادرة ضمن المبادرة.
وفي يونيو 2026، دخلت مؤسسة جائزة بوكر في شراكة مع البرنامج عبر مجموعة قصصية بعنوان All Around the World، تضم أعمالًا لكتاب ارتبطوا بالجائزة، من بينهم آن إنرايت وديفيد سزالاي ونديفة محمد، واختارها الكاتب الفائز بالبوكر رودي دويل. ولم يكن الهدف تقديم نسخة مبسطة من الأدب، بل اختيار نصوص قصيرة تكون مدخلًا إلى أعمال أدبية أعمق، لعلها تقرب القارئ من عالم الأدب الذي قد يبدو بعيدًا عنه.
الكتاب القصير وسيلة لاستعادة عادة القراءة
يرى المتخصصون أن الكتب القصيرة ليست حلًا سحريًا لأزمة القراءة، لكنها قد تكون وسيلة عملية لاستعادة العادة. فقصة من عشرات الصفحات قد تمنح القارئ إحساسًا بالإنجاز، وقد تدفعه إلى تجربة كتاب آخر، ثم الانتقال تدريجيًا إلى أعمال أطول. الهدف الحقيقي لمثل هذه البرامج ليس إبقاء القارئ أسير الكتب القصيرة، بل إعادة بناء علاقته بالقراءة.
من القراءة السريعة إلى عادة مستمرة
القراءة عادة تحتاج إلى وقت واهتمام واستمرارية، وهذه العناصر لا تتوفر بمجرد نشر المزيد من الكتب، لكن تخفيف حاجز البداية قد يجعل العودة ممكنة، خصوصًا لمن ابتعدوا عن القراءة لسنوات. وقد أظهرت تجربة 20 عامًا من Quick Reads أن الكتب عندما تكون سهلة الوصول ومرتبطة باهتمامات الناس، ويمكن إدخالها في الحياة المزدحمة، فإنها تساعد المزيد من الأشخاص على اكتشاف متعة القراءة وقيمتها.
رسالة الأمل: حب الكتب لم يمت
ربما تكون الرسالة الأهم هنا أن أزمة القراءة لا تعني أن الناس توقفوا عن حب الكتب، بل أن علاقتهم بها أصبحت تحتاج إلى صيغة تناسب حياتهم الحالية. وبينما تتسابق المنصات الرقمية على جذب انتباه القارئ لثوانٍ معدودة، تحاول الكتب القصيرة أن تقدم له مساحة أقل كلفة من حيث الوقت، على أمل أن تقوده هذه الخطوة الصغيرة إلى قراءة أطول وأكثر انتظامًا.
وفي هذا السياق، تبقى القراءة ركيزة أساسية في بناء المجتمعات الواعية، وقد حثنا ديننا الحنيف على طلب العلم واغتنام الوقت فيما ينفع، فالكتاب خير جليس، والعودة إليه مهما طال الغياب تبقى خطوة مباركة نحو النور والمعرفة.