نجيب محفوظ في جلساته الخاصة: حكايات من خلف كواليس أديب نوبل
في صيف عام 1988، وصل إلى القاهرة رجل سويدي يُدعى ستوري آلين، لم يكن يعرف عنوان بيت نجيب محفوظ ولا الأماكن التي يتردد عليها، لكنه كان يعلم يقيناً أن أدب هذا الرجل قد طاف آفاق العالم. لم يهدر آلين وقته، فاتصل فوراً بالشؤون الخارجية بوزارة الثقافة المصرية، وطلب لقاء صاحب الثلاثية في الموعد الذي يحدده. وهكذا تم اللقاء في الدور السادس بجريدة الأهرام، حيث كان الزائر هو السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية، ومعه السفير المصري في ستوكهولم عبد الرحمن مرعي، ليخبرا محفوظ أن أعضاء لجنة الأدب بالأكاديمية البالغ عددهم 18 عضواً قد اتفقوا على منحه جائزة نوبل للآداب.
كيف استقبل نجيب محفوظ خبر جائزة نوبل؟
في بداية اللقاء، حاول محفوظ أن يعرب عن شكره للأكاديمية السويدية، لكن ستوري آلين بادره قائلاً: «بل نحن الذين نشكرك على قبولك الجائزة؛ لأنك بذلك قد صححت وضعاً كان خاطئاً». ثم شرح للأديب الكبير أن الجائزة التي أنشئت منذ ما يقرب من قرن كامل لم يفز بها أحد من العالم العربي، رغم أن للعرب تاريخاً أدبياً عريقاً يعود إلى عدة قرون مضت، وأن عدم منح الجائزة لأي أديب عربي طوال عمرها قد يمس مصداقيتها.
وأضاف آلين مخاطباً محفوظ: «لقد شهدت تقلبات اجتماعية وسياسية كثيرة خلال حياتك، وتمكنت من خلال فنك الروائي العظيم أن ترصد كل تلك التحولات وأن تتفاعل معها، بل وأن تستشرف من خلال إنتاجك الأدبي الغزير آفاق المستقبل. أما من الناحية الفنية، فإن الفن الروائي العربي أصبح مرادفاً لاسم نجيب محفوظ، فأنت الذي أعطيت الرواية شكلها العربي المميز وأثرت في أجيال من الروائيين».
من هم «الحرافيش» الذين كان يلتقي بهم محفوظ؟
يصحح الكاتب الكبير محمد سلماوي في كتابه «في حضرة نجيب محفوظ» الاعتقاد الشائع حول الحرافيش، قائلاً: «هناك اعتقاد سائد بأن جميع أصدقاء محفوظ من الحرافيش، والحقيقة أن هذا غير صحيح، فهو لم يكن يطلق هذا الاسم إلا على شلته القديمة التي ظل يلتقي بها حتى آخر أيامه مساء كل يوم خميس بمنزل المخرج السينمائي الكبير توفيق صالح، والتي كانت تضم: عادل كامل وأحمد زكي مخلوف ومحمد عفيفي وأحمد مظهر وأمين الذهبي وغيرهم. وقد عرفت شلة الحرافيش بعض الأعضاء العابرين مثل: صلاح جاهين وأحمد بهاء الدين ومصطفى محمود ولويس عوض والفنان جميل شفيق».
وكان محفوظ يخصص يوم الخميس للقاءين وليس واحداً، كما يخبرنا الكاتب جمال الغيطاني في كتابه «المجالس المحفوظية»: اللقاء الأول كان في مقهى عرابي بالعباسية مع أصدقاء الطفولة والشباب، يمضي معهم ساعتين بالضبط من السادسة إلى الثامنة، ثم يمشي سيراً على الأقدام إلى كبابجي شهير قريب من ميدان الجيش، حيث يكون الكيلو في انتظاره ملفوفاً، ومن حلواني قريب يأخذ كيلو البسبوسة، ويستقل عربة أجرة إلى لقائه الثاني مع الحرافيش. والطريف أن محفوظ تخلى عن كيلو البسبوسة في بداية الستينات بعد اكتشاف إصابته بمرض السكر.
أما يوم الجمعة فكان مخصصاً لندوة أسبوعية في الدور العلوي من كازينو أوبرا، تعقد كل صباح جمعة، ويحضرها عدد من الأدباء والقصاصين والشعراء والمثقفين والمريدين والمعجبين بأدب نجيب محفوظ.
لماذا قال محفوظ: «الندوة ملهاش باب»؟
يحكي الكاتب صالح مرسي في كتابه «هم وأنا» أن الأقدار كافأته في بداية حياته الصحفية بلقاء أديبه المفضل خلال لقائه الأول بحيي حقي في مكتبه، إذ دخل عليهما محفوظ ليلتقي صالح بضربة حظ واحدة بالأديبين الكبيرين. وخلال اللقاء، استأذن مرسي محفوظ في حضور ندوته قائلاً: «كنت عاوز أستأذن حضرتك في حاجة!» فرد عليه محفوظ: «اتفضل»، فقال مرسي: «ممكن تسمح لي أحضر ندوة الجمعة؟» فهتف محفوظ مستنكراً: «الندوة ملهاش باب».
ليكتشف صالح بعد ذلك الجو العام الذي رآه في ندوة محفوظ، فيقول: «لم تكن الندوة اجتماعاً لمجموعة من الأدباء والشعراء والمثقفين للدردشة وإزجاء الوقت، بل كانت دائماً مجالاً لحوار يمتد لساعات تتطاير فيها الآراء وتتفاعل، ذلك أن الندوة كانت تضم أدباء من مدارس الأدب المختلفة، والتي كانت خلافاتها في تلك الفترة تزداد ازدهاراً».
ما هو المنهج السقراطي الذي اتبعه محفوظ في نقاشاته؟
ويتحدث صالح مرسي عن دور محفوظ في الندوة قائلاً: «كان نجيب محفوظ يبدو وكأنه حكم في مباراة ثقافية، سؤاله يبدو مثل صفارة حكم يعيد بها المناقشة إلى مسارها الطبيعي.. كنت في تلك الأيام أستمتع حقاً بذلك الأسلوب الذي كان يتبعه، فلقد أدركت مرة بعد مرة ما كان الأستاذ يعنيه بسؤاله إذا سأل، سيطر على فكري ذلك الإحساس بسيادة المنهج السقراطي على أسلوب الرجل، ذلك المنهج الذي أطلقوا عليه اسم التهكم والتوليد».
ويحكي صالح عن النظام الدقيق الذي يتبعه محفوظ قائلاً: «لفت نظري شيء غريب، نظر الرجل في ساعته فظننت أنه يريد أن يبرح، رفع رأسه نحو الجرسون الذي كان يقف قريباً من باب القاعة، رفع يده إليه فأحسست أنه يطلب الحساب وتأكد لدي أنه سوف يغادرنا فداخلني ضيق من لم يرتو بعد والمياه بين يديه.. اختفى الجرسون لكنه عندما عاد كان يحمل إلى الأستاذ فنجاناً آخر من القهوة وضعه أمامه.. رشف الرجل من الفنجان رشفة بحساب، ثم أشعل سيجارة! هكذا عرفت فيما بعد أن الرجل لا يدخن كما ندخن، لا يشعل السيجارة إلا إذا أشار العقرب الكبير في الساعة إلى تمام الستين دقيقة. أحسست يومها أني سعيت إلى الارتواء فإذا بي أزداد عطشاً، أحسست يومها أن ها هنا خلف هذا الوجه يكمن إنسان أخذ نفسه بصرامة لم نتعودها مع أنفسنا ولم نتعودها من الآخرين. أحسست أن في داخل هذا الرجل البسيط رجلاً نادراً».
كيف تجلى الجانب الإنساني في تعاملات محفوظ؟
الجانب النادر من محفوظ لم يره صالح فحسب، بل أجمع عليه أغلب معاصريه الذين رأوا في الرجل سمواً أخلاقياً قلما يجود الزمن بمثله عند إنسان، فقد امتد ظل هذا الحس الأخلاقي حتى مع الذين لا يعرفهم نجيب محفوظ على المستوى الشخصي.
ويروي الكاتب محمد سلماوي حكاية خطاب ورد إليه بعد وفاة نجيب محفوظ من شخص يدعى حسن، يقول فيه: «إنه كان في عام 1977 طالباً بالجامعة، وقد وجد نفسه في بداية ذلك العام معتقلاً لأسباب لا يعرفها، وتركت تلك التجربة القاسية على حياته ظلالاً داكنة أصابته بالإحباط والاكتئاب، فلم تمكنه بعد الإفراج عنه من أن يعود لحياته الطبيعية». ويضيف صاحب الرسالة: «وفي يوم من الأيام فكر أن يكتب إلى نجيب محفوظ عن محنته وطلب أن يقابله، ففوجئ بعد بضعة أيام برد يأتيه مكتوباً بيد محفوظ: السيد الأخ حسن.. تحية طيبة وبعد.. فقد قرأت رسالتك وأحزنني جداً ما جاء بها، ولعلك لا تعلم أنه يصلني من أسبوع لأسبوع مثيلات لها مما يقطع بما يعانيه شعبنا الشريف الذكي من متاعب، ويزيد من حزني أنني لا أجد في إمكاني بطبيعة الحال حلاً لها، وأظنك توافقني على ذلك فالأديب أديب وليس مؤسسة ولا من الأثرياء، جعل الله من همتك ثروة تعينك على بلواك. أما عن المقابلة، فإني أجتمع مع أصدقاء من الأدباء مساء كل جمعة بكازينو قصر النيل ما بين الخامسة والنصف والسابعة والنصف، فأهلاً بك في أي وقت تشاء فهي جلسة خاصة وشبه عامة».
ويسرد سلماوي قصة أخرى متأثراً فيها بإنسانية الأديب العملاق الذي كان لا يتوانى برغم مكانته ومشاغله على مد يد العون لأي إنسان، إذ يحكي أن شخصاً قابل نجيب محفوظ سائراً على قدميه في أحد شوارع القاهرة، فوقف يحادثه، وحين وجد استجابة من الأديب الكبير لتحيته تشجع وشكا له همه، وكان هذا الشاب قد خرج لتوه من اعتقال هدم حياته وقضى على موهبة أدبية في نفسه كانت في بداية تفتحها، فلم يواسه نجيب محفوظ ولا طيب خاطره، لكنه اكتفى بدعوته لحضور لقائه الأسبوعي بكازينو قصر النيل المطل على نيل الجزيرة، وقال له: «سأكون في انتظارك فلا تتخلف».
وذهب الشاب إلى اللقاء الذي كان كثيراً ما يقرأ عنه في الصحف ويسمع عما يجري فيه من أصدقائه في الأوساط الثقافية، فوجد نفسه جالساً بين عمالقة الأدب والفكر من الدكتور لويس عوض إلى ثروت أباظة والمخرج توفيق صالح وغيرهم، ممن جلس يستمع إلى أحاديثهم دون أن ينطق بكلمة، وفي نهاية اللقاء مد يده لنجيب محفوظ يشكره على هذه الدعوة التي أثرت خياله وفتحت مداركه، فقال له محفوظ: «موعدنا الأسبوع القادم إن شاء الله».
كيف أهدى محفوظ قلمه لشاب لا يعرفه؟
وهكذا واظب الشاب على حضور جلسات الأديب الكبير أسبوعاً وراء أسبوع، حتى وجد نفسه يعود مرة أخرى إلى الاهتمام بالأدب والثقافة والفكر بعد أن كانت لا تسيطر على عقله إلا مشاعر الإحباط والأفكار العدمية التي خرج بها من السجن، وبعد عدة أسابيع بدأ يشارك على استحياء في الحديث، وفي نهاية أحد هذه اللقاءات قال له محفوظ: «إنك لم تأتني حتى الآن بأي شيء كتبته»، فقال له الشاب: «لقد بدأت الأفكار الأدبية تداعبني مرة أخرى، لكن صدقني لو قلت لك إنني لا أملك حتى ثمن القلم والورق لأكتب ما أريد». وهنا أخرج محفوظ من جيبه قلم «شيفرز» وأعطاه له قائلاً: «هذا هو قلمي لتكتب به»، ثم أعطاه 20 جنيهاً قائلاً: «وهذا ثمن الورق، أما النشر فاتركه لي». وهكذا نجح الرجل بفضل تشجيع نجيب محفوظ أن يعود إلى الكتابة، كما ساعده أيضاً في نشر قصة قصيرة كتبها بقلم محفوظ.
ما هو البعد الصوفي في حياة محفوظ وأعماله؟
البعد الأخلاقي لنجيب محفوظ كان له أصل صوفي في نفس الرجل، يلاحظه القراء بصفة خاصة في الأعمال الأخيرة التي كثيراً ما تطرقت إلى تلك المناطق المتسامية في النفس البشرية. ولعل أبرز من لاحظ هذا البعد وعلق عليه هو الكاتب الفرنسي الكبير إريك إيمانويل شميت صاحب رواية «مسيو إبراهيم» الذي قام بتجسيدها على الشاشة الفرنسية الفنان العالمي عمر الشريف.
في حوار شميت مع نجيب محفوظ خلال زيارته لمصر، قال له صاحب الثلاثية: «لقد لاحظت مما قرئ لي من روايتك مسيو إبراهيم وزهور القرآن أن بها بعداً صوفياً جميلاً، فهل هذا البعد موجود في أعمال أخرى لك أم أن وجوده هنا كان بسبب أن بطل الرواية كان صوفياً؟» فقال شميت: «أستطيع أن أقول إن هذا البعد موجود بشكل أو بآخر في الكثير من رواياتي، فإذا كانت الصوفية بمعناها العام هي التوحد مع الكون ومع الخالق، وإذا كانت هي تلك النظرة الحكيمة لما وراء ظهر الأشياء، وإذا كانت هي التكامل بين التعبد والفن وعدم الفصل التعسفي بينهما، فهي بالتأكيد موجودة في أعمالي».
فسأله محفوظ: «وكيف وصلت إلى الصوفية؟» قال: «عن طريق الموت، فقد ضللت طريقي في صحراء الجزائر، وأمضيت الليل ممدداً على الرمل أنظر إلى السماء وأنتظر الموت، لكني وجدت بدلاً منه الإيمان، فقد دخلت الصحراء ملحداً وخرجت منها مؤمناً، ودعني أقول لك صراحة: إن كتاباتك كانت إحدى وسائلي في التعرف على الصوفية، ففي أعمالك بعد صوفي واضح».
كيف قسم محفوظ قيمة نوبل حسب الشريعة الإسلامية؟
الدليل الآخر على هذا البعد الصوفي في حياة أديب نوبل هو طريقة تعامله مع جائزة نوبل، التي قسم قيمتها بينه وبين زوجته وابنته حسب الشرع الإسلامي، ثم تبرع بنصيبه بالكامل إلى أعمال الخير، وقد ذهب إلى مرضى الفشل الكلوي.
والحكاية يرويها الكاتب محمد سلماوي قائلاً: «عندما التقت الكاتبة نادين جورديمر الحاصلة على جائزة نوبل، أهدت نجيب محفوظ كتابين: الأول