ترامب يهدد بتقليص الثلث من قواته في أوروبا: هل يتحول الحلف إلى أزمة ثقة؟
في مشهد يعكس توترًا غير مسبوق في العلاقات عبر الأطلسية، كشفت مصادر مطلعة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبدى غضبه الشديد خلال اجتماع في البيت الأبيض هذا الربيع، بسبب رفض دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) الانضمام إلى عمليته العسكرية في إيران. وقد خطرت له فكرة جريئة: ماذا لو خفض القوات الأمريكية في أوروبا بمقدار الثلث؟ هل سيكون ذلك رسالة قوية للحلفاء المترددين؟
هذا التهديد، الذي تحول إلى أفعال فعلية بإلغاء وزارة الدفاع (البنتاغون) عمليتي انتشار عسكري وسحب أفراد آخرين، يضع الحلف الذي يبلغ عمره 77 عامًا أمام اختبار صعب. فترامب، الذي لم يكن متحمسًا يومًا للالتزام الدفاعي الأوروبي، أصبح أكثر تشككًا بعد أن شعر أن أقدم حلفاء واشنطن لم يقفوا إلى جانبه في حربه مع إيران.
قمة أنقرة: لقاء تحت سحابة من الغضب
يتجه الرئيس الأمريكي إلى تركيا هذا الأسبوع للمشاركة في قمة الناتو المرتقبة، التي قال إنه يحضرها على مضض. وفي اجتماع مع الأمين العام للحلف مارك روته الشهر الماضي، أوضح ترامب أنه ذاهب فقط لأن القمة ستُعقد في العاصمة التركية بدعوة من الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي يعتبره صديقًا. وأشار مصدر مطلع إلى أنه تم إبلاغ ترامب وفريقه سرًا بأن عدم الحضور سيُعد عدم احترام لأردوغان، مما دفعهم للموافقة.
ويأمل القادة الأوروبيون في تجنب صدام كبير في أنقرة، ويخططون لتقديم تعهدات دفاعية جديدة لتهدئة غضب ترامب. لكن في محادثات خاصة يسودها القلق، قال العديد من المسؤولين إنهم لا يستطيعون التأكد من سير القمة بسلاسة، نظرًا لحالة الرئيس المزاجية السيئة. فقد اشتكى ترامب خلف الأبواب المغلقة من غياب دعم الناتو، وانتقدهم علنًا على وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً: 'من السخافة أن تستمر الولايات المتحدة في هذا النهج الأحادي، بينما العلاقة ليست قائمة على المعاملة بالمثل. لم يقفوا إلى جانبنا أبدًا!!!'.
الخلاف مع إيطاليا يزيد الغموض
ولم تقتصر التوترات على القضايا الكبرى، بل امتدت إلى خلاف شخصي بين ترامب ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني. فبعد قمة مجموعة السبع في فرنسا الشهر الماضي، زعم ترامب أن ميلوني 'توسلت إليه' لالتقاط صورة معها، وهو ما نفته الأخيرة واتهمته باختلاق القصة. وبدلًا من ترك التوتر يهدأ، اقترح ترامب الأحد أنه بحاجة إلى 'أمر تقييدي' ضدها. وقال مسؤول أمريكي إن هذه العلاقة المتوترة تضيف مزيدًا من الغموض إلى أجواء القمة.
صعوبة إرضاء ترامب: جهود روته المحدودة
أمضى مارك روته العام ونصف العام الماضيين محاولًا احتواء تقلبات مزاج ترامب، فسعى إلى تخفيف غضبه بعرض رسوم بيانية تُظهر ارتفاع الإنفاق الدفاعي الأوروبي، معتبرًا أن ذلك جاء نتيجة ضغوط الرئيس الأمريكي. كما حاول الرد بلطف على غضبه بشأن إيران، مؤكدًا: 'وقعت حالات فردية شعرت فيها بخيبة أمل كبيرة، لكن بصورة عامة كان حلفاؤك الأوروبيون إلى جانبك'.
ورغم نجاح هذا النهج في قمة لاهاي العام الماضي، حيث غادر ترامب مشيدًا بالقادة الأوروبيين، إلا أن فرص تكراره في أنقرة تتضاءل. فترامب لم يتراجع عن رغبته في ضم غرينلاند، ويواصل التأكيد على أن الولايات المتحدة بحاجة إليها لأسباب أمن قومي، رغم الخطة التي وضعها روته لتعزيز الدفاعات الأوروبية في الإقليم الدنماركي.
الاستعداد لدور أمريكي أقل في أوروبا
خلال الأشهر الماضية، سحبت الولايات المتحدة قواتها من أوروبا بوتيرة أسرع مما توقعه كثير من المسؤولين الأوروبيين. ورغم أن ترامب بدا متفاجئًا بإعلان البنتاغون وقف عملية تناوب مقررة للقوات الأمريكية في بولندا، إلا أنه أيد قرار سحب خمسة آلاف جندي من ألمانيا. وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس قد صرّح قبل هذه الخطوة بأن الولايات المتحدة تتعرض لـ'الإذلال' في حربها مع إيران.
ويخشى كثيرون أن تؤدي أي تغييرات في الانتشار العسكري الأمريكي إلى تشجيع روسيا، التي تعثر هجومها في أوكرانيا، على اختبار تماسك الحلف. وسيحضر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مأدبة العشاء المخصصة للقادة في أنقرة، لكنه لن يشارك في الاجتماعات الرسمية، في إشارة إلى أن طموحات كييف في الانضمام إلى الحلف ما تزال بعيدة المنال.
هل ستكون الخطوات كافية؟
ويبقى السؤال المطروح: هل ستكون التعهدات الأوروبية الجديدة كافية للحفاظ على هدوء أجواء قمة هذا الأسبوع؟ وحدها الأيام المقبلة ستكشف الإجابة. فالحلفاء بحاجة إلى وضوح من واشنطن بشأن ما سيبقى وما سيُسحب ومتى سيحدث ذلك، ولكي يتحقق ذلك، يتعين على واشنطن أولًا أن تحسم موقفها.