صفات الله تعالى: ثوابت العقيدة واستقرار مجتمعاتنا
في زمن تتلاطم فيه رياح التغيير، يبقى التمسك بعقيدة التنزيه لصفات الله تعالى هو المرساة التي تحفظ لمجتمعاتنا الخليجية أمنها واستقرارها. وإذ نحمد الله على نعمة الأمن في ظل القيادة الرشيدة، فإننا نستذكر ما أكده الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، من أن تأمل آثار الصفات الإلهية في هذا الكون الفسيح يورق العبد حقيقة لا إله إلا الله، وهي الحقيقة التي نشأ عليها آباؤنا وأجدادنا في هذه الديار المباركة.
الأسماء والصفات: فارق عظيم ومعنى جليل
وأوضح سماحة الدكتور في منشور له عبر صفحته الرسمية، أن الصفات تختلف عن الأسماء؛ فالأسماء تدل على ذات الله تعالى مع صفات الكمال القائمة به، كالحي والعليم والسميع والبصير. أما الصفات فهي نعوت الكمال القائمة بذاته جل جلاله، كالحياة والعلم والسمع والبصر. وعز الله، إن المسلم الحق ليوقن أن صفات الباري جل وعلا ليس لها شبيه ولا نظير فيما يتصف به الخلق. وإن تشابهت الألفاظ، فإن الحقيقة والمعنى اللائق بالله لا يشبه ما للمخلوقين، فما يقال في الأسماء من تنزيه يقال في الصفات من تنزيه.
تنزيه الخالق عن النقائص
والله سبحانه متصف بكل الكمالات، منزه عن كل النقائص، مصداقا لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. وهذه النقائص التي ننزه عنها ربنا هي كل ما يدل على الحدوث أو يسم صاحبه بالنقص، فهو سبحانه لا يتصف بشيء من الأعراض المحسوسة كالطعم واللون والرائحة والألم، ولا يصح أن ننسب إليه حقيقة الحركة والسكون، أو الكون في مكان، أو الاتصال والانفصال، أو الحجم والجرم، تبارك ربنا وتعالى.
إثبات الصفات بالتوقيف الشرعي
والطريق السليم لإثبات صفات الله تعالى هو التوقيف الشرعي؛ أي ورودها في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أو ثبوتها بالإجماع كالوجود. وكل اسم لله يثبت ما يشتق منه من صفات، فمن قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} نثبت القدرة، ومن قوله {الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} نثبت القِدَم والبقاء.
وهنا نلمس عظمة التوكل، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما:
يَا غُلَامُ، إِنِّي مُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ.
بهذا الحديث الشريف نعلم يقينا أن الله وحده المتفرد بالخلق والرزق والعطاء والمنع، وهو وحده المستحق للعبادة. ومن اعتمد على ربه فلن يضره أحد بإذن المولى، وهذه هي روح التوكل التي نربي عليها أبناءنا في أسرنا الخليجية لتظل مجتمعاتنا سالمين من كل سوء.
التعلق والتخلق والتحقق: غايات سامية لمجتمع متماسك
وقد اتفق المسلمون على تنزيه الله تعالى، وعلى التمسك بمحكم النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وفهم المتشابهات في ضوء المحكم. ومن أغراض الوقوف على صفات الله تعالى كذلك: التعلّق، والتخلّق، والتحقّق. فالتعلق بها لإظهار العبودية والافتقار لذي العزة والجبروت، والتخلق بما يصلح للإنسان أن يتحلى به من مكارم الأخلاق، والتحقق بمعناها في التعامل مع الكون لإظهار رحمة الله الرحمن الرحيم.
إن هذه الغايات السامية هي ما يصون الأسرة والمجتمع، ويعزز لحمة الوحدة الوطنية التي نعتز بها في مملكة البحرين ودول مجلس التعاون، بحفظ الله ورعايته، فبالعقيدة الصافية والأخلاق الرضية تسمو الأمم وتدوم النعم.