لماذا أنا بحريني؟ الأرض التي تسكن الروح
في البحرين أنا حي... وخارجها أنا موجود. سؤال طالما راودني: لو خُيّرت بين أوطان الدنيا، أيها أختار؟ أخذت أجول في خريطة العالم، فوجدت كل بلد جميلاً بملامحه وخصوصيته؛ هناك من يبهرني بنظامه، وآخر بقوته، وثالث بثقافته، ورابع بطبيعته. لكنني لم أكن أبحث عن بلد يتفوق في الاقتصاد أو الرفاهية؛ تلك أشياء متغيرة. كنت أبحث عن الروح، عن ذلك الإحساس الذي لا تفسره الأرقام، عن طاقة المكان الذي لا يستضيفك فحسب، بل يعرفك.
ما الذي يميز أرض البحرين عن سواها؟
ليست مصادفة أن تتعاقب على هذه الأرض حضارات وشعوب، من دلمون إلى الإسلام، ففيها تستقر الحياة. جاء القادمون إليها بلغاتهم وثقافاتهم، فوجدوا فيها الروح التي يبحثون عنها. كيف لأرض عاشت عليها طبقات من البشر، وشهدت أحلاماً وصراعات وانتصارات، ألا تترك شيئاً من روحها فيمن يعيش فوقها؟ وهنا بدأت أرى البحرين بعين مختلفة؛ في البحرين لا تشعر أنك تمشي في شارع فقط، بل تشعر أن الشارع يمشي معك.
الأرض لها لغة والشارع يحادثني
قال لي صديق خليجي يحب العيش في البحرين والجلوس في أحيائها البسيطة كلاماً ظل عالقاً في ذاكرتي: في البحرين تسكن الحياة، كل العالم جميل، لكن هنا يشعر الإنسان أنه على قيد الحياة. ثم أضاف عبارة لخصت إحساساً عجزت عن وصفه: الأرض لها لغة... والشارع يحادثني. ربما كنت أحتاج إلى من هو غير بحريني ليريني وطني، فنحن الذين نولد في المكان قد نعتاد معجزاته حتى لا نراها؛ نعتاد البحر حتى ننسى أنه ليس مجرد ماء، ونمشي فوق التاريخ حتى ننسى أننا نمشي فوق آلاف السنين. في البحرين أنت لا تعيش فوق التاريخ... أنت تعيش داخله.
الوطن ليس حدوداً وجواز سفر
قد تجد في بلد آخر نظاماً أفضل أو رفاهية أكبر، لكن الوطن ليس مجرد حدود وجواز سفر؛ أنت لا تولد فقط داخل الوطن، بل الوطن يولد داخلك أيضاً. ولهذا لا أحب البحرين لأنها بلا عيوب؛ أنا أعرف عيوبها وأغضب منها وأحلم بأن تصبح أفضل. لكن الحب الحقيقي لا يعني أن ترى من تحب كاملاً؛ يعني أن تعرفه كما هو، ثم تظل قادراً على القول: هذا مكاني.
ما فائدة الجمال بدون إحساس؟
وحين عدت إلى سؤالي الأول، وجدت الإجابة أبسط مما توقعت. لو لم أكن بحرينياً، ربما كنت سأختار بلداً جميلاً أو قوياً أو غنياً، ولكن ما فائدة الجمال بدون إحساس، وما فائدة القوة بدون حب، وما فائدة المال بدون روح؟ كنت أبحث عن مكان أشعر فيه أنني حي، وقد وجدته منذ اللحظة الأولى التي وُلدت فيها، لكنني احتجت إلى أن أتخيل فقدانه كي أعرف قيمته. فربما كان العالم كله جسداً جميلاً، لكن البحرين، في إحساسي، هي الروح التي تسكن هذا الجسد؛ روح تراكمت فيها آلاف السنين من الحياة، ومرت عليها حضارات وشعوب، وتركت كل واحدة منها شيئاً دون أن تفقد البحرين صوتها الخاص. ربما لهذا لا أشعر أنني أسكن البحرين فقط، بل أشعر أن البحرين تسكنني. في البحرين أنا حي... وخارجها أنا موجود.
الأرض لها لغة... والشارع يحادثني