في ذكرى رحيل أم كلثوم: ضياع تراث كوكب الشرق بين الإهمال والتجارة
تمر اليوم الذكرى الحادية والخمسون لرحيل كوكب الشرق أم كلثوم، وما زالت الأسئلة المؤلمة تتردد حول مصير تراثها العظيم الذي أهدر في زمن التحولات السياسية والاجتماعية.
إهدار فيلا الزمالك وضياع الوعود
في فيلا أنيقة على كورنيش النيل بالزمالك، عاشت سيدة الغناء العربي سنوات مجدها الأخيرة. هذه الفيلا التي بناها المهندس علي لبيب جبر عام 1935، واختارت أم كلثوم تصميمها بنفسها، شهدت جلساتها الفنية وزيارات عمالقة الموسيقى والأدب من مختلف أنحاء العالم.
بعد وفاة أم كلثوم في الثالث من فبراير 1975، اتخذ مجلس الوزراء قرارا بتحويل الفيلا إلى متحف يخلد ذكراها، كما وعدت السيدة الأولى آنذاك بتحويل دار الأوبرا الجديدة إلى "دار أم كلثوم" وإقامة متحف لتراثها.
لكن هذه الوعود ذهبت أدراج الرياح، وفوجئ الناس ببيع الفيلا لرجل أعمال سعودي قرر هدمها لإقامة مشروع استثماري. رغم الحملة الصحفية الواسعة للحفاظ عليها، تم هدم الفيلا في خمسين يوما فقط عام 1982.
مأساة منزل طماي الزهايرة
في قرية طماي الزهايرة بمحافظة الدقهلية، حيث وُلدت أم كلثوم ونشأت، تكررت المأساة نفسها. المنزل الذي عاشت فيه طفولتها وصباها لم يحظ بأي اهتمام رسمي، واضطر الورثة تحت ضغط الحاجة إلى هدمه، ولم يتبق منه سوى غرفتين يتيمتين.
رغم الوعود المتكررة من المسؤولين بإنشاء متحف في مسقط رأسها، والتصريحات الرسمية بوجود توجيهات رئاسية لتحويل المنزل إلى متحف كبير، لم يتحقق شيء من هذه الوعود.
تشتت المقتنيات وضياع التراث
لم يقتصر الأمر على المنازل فحسب، بل امتد إلى مقتنيات أم كلثوم الشخصية. فقد عرض بعض أقاربها ممتلكاتها للبيع، بما في ذلك قلادة ذهبية صنعت في ألمانيا، وصور وحقائب خاصة بها.
من أشهر هذه الحوادث عرض العقد النادر الذي أهداه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لأم كلثوم عام 1971 في مزاد دولي. هذا العقد المكون من تسعة صفوف تضم 1888 لؤلؤة طبيعية مطعمة بالأحجار الكريمة، تم بيعه بـ1.3 مليون دولار.
دروس في الحفاظ على التراث
إن ما حدث لتراث أم كلثوم يعكس مأساة أكبر تتعلق بالحفاظ على تراث الأمة وذاكرتها الثقافية. فالحفاظ على تراث الكتاب والأدباء والفنانين مسؤولية قومية للحفاظ على الهوية الوطنية.
في الدول المتقدمة، تتحول منازل الشخصيات التاريخية والثقافية إلى متاحف ومزارات، بينما نشهد في بلادنا تحويل هذه الكنوز إلى مشاريع تجارية أو هدمها بالكامل.
دعوة للعمل
في الذكرى الحادية والخمسين لرحيل كوكب الشرق، نجدد الدعوة لإنشاء متحف ضخم يليق بمكانة أم كلثوم الفنية والوطنية، ويضم كل تراثها ومقتنياتها المتناثرة حول العالم.
كما ندعو إلى تطبيق القانون رقم 144 لسنة 2006 الخاص بحظر هدم منازل المشاهير، ووضع آليات فعالة للحفاظ على التراث الثقافي للأجيال القادمة.
إن أم كلثوم التي أضاءت سماء الفن العربي بصوتها الذهبي، وساهمت في دعم القضايا القومية والإنسانية، تستحق أن نحافظ على تراثها كما حافظت هي على كرامة الفن العربي الأصيل.