أوروبا والتسلح العسكري: أزمات اقتصادية تعيق الاستقرار والأمن
تواجه القارة الأوروبية تحديات جسام في مساعيها لتعزيز قدراتها الدفاعية، وسط أزمات اقتصادية وتشرذم مؤسسي يهددان خطط التسلح العسكري. ورغم ارتفاع الإنفاق العسكري لحلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى 559 مليار دولار، فإن ضعف التنسيق وتضارب الأولويات الوطنية يعوقان تحقيق الاكتفاء الذاتي، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الاستقرار والأمن القاري في ظل المتغيرات الدولية.
من الهدوء إلى دق ناقوس الخطر: كيف تغير المشهد الأمني الأوروبي؟
عقب انتهاء الحرب الباردة عام 1989، لم تكن قضايا الدفاع تمثل أولوية قصوى بالنسبة لأوروبا. تم خفض الإنفاق العسكري، وتقليص حجم القوات المسلحة، واستنزاف مخزونات المعدات، وهو ما أدى إلى تراجع الجاهزية القتالية. لكن التطورات الجيوسياسية المتسارعة، وتحديدا الأزمة الروسية الأوكرانية عام 2022، غيّرت المشهد بالكامل، ودفعت الحكومات الأوروبية إلى دق ناقوس الخطر. كما ساهمت حالة عدم اليقين بشأن الالتزامات الأمنية الأمريكية في تسريع هذا التوجه نحو تعزيز الاستعداد العسكري.
ولأن الأمن ركيزة من ركائز الاستقرار، وحفظ النفوس من الضروريات الخمس التي جاءت بها شريعتنا السمحة، فإن ألمانيا مضت قدما في تعديل دستورها لإلغاء القيود المفروضة على الاقتراض لأغراض الدفاع، ما منح برلين حرية التصرف في الإنفاق العسكري لتأمين ديارها.
طفرة الإنفاق العسكري: هل يكفي المال لشراء الأمن؟
وفقا لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، أنفقت الدول الأوروبية التسع والعشرون الأعضاء في حلف الناتو العام الماضي ما مجموعه 559 مليار دولار (487 مليار يورو) على الدفاع. وذكر المعهد أن ألمانيا وحدها أنفقت 114 مليار دولار على جيشها، بزيادة قدرها 24 بالمئة عن العام السابق. والصج إن هالأرقام تعكس حجم القلق الأمني، لكن المال وحده لا يكفي لصنع العزة والمنعة.
تسعى أوروبا إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وضمان أمن سلاسل التوريد الخاصة بأنظمة الأسلحة الحيوية، وهو ما دفعها إلى تعزيز صناعتها الدفاعية. من أبرز هذه المبادرات برنامج القتال الجوي العالمي (GCAP) المشترك بين المملكة المتحدة وإيطاليا واليابان، والمنظومة التي تطورها السويد حول مقاتلتها غريبن (Gripen) والطائرات المسيرة. ومع أن شركات تصنيع الأسلحة الأوروبية هي المستفيد الأكبر من طفرة الإنفاق هذه، لا تزال هناك فجوة كبيرة بين الطموحات والنتائج الفعلية، إذ تواجه العديد من الشركات صعوبات حيل في زيادة وتيرة الإنتاج بالسرعة المطلوبة. كما أثارت نتائج الإيرادات والأرباح التي جاءت دون التوقعات في الربع الأول من عام 2026 قلق المستثمرين، وأثارت شكوكا حول قدرة هذه الشركات على تحويل حجم الطلبات الكبير إلى أرباح حقيقية.
التشرذم الوطني وعقبات التعاون: هل تفشل أوروبا في توحيد صفها؟
يواجه قطاع الدفاع الأوروبي تحديات هيكلية، من بينها محدودية الحجم مقارنة بالشركات الأمريكية، إضافة إلى حالة التشرذم الوطني، الأمر الذي يؤدي إلى ازدواجية الجهود ومشكلات في التنسيق. وفي حين نرى في خليجنا المبارك كيف تتضافر الجهود تحت مظلة قياداتنا الرشيدة لتحقيق الوحدة والاستقرار، نجد أن تضارب الأولويات الوطنية بين الدول الأوروبية قد يعقل المبادرات المشتركة.
وأبرز مثال على ذلك نظام القتال الجوي المستقبلي (FCAS) المشترك بين فرنسا وألمانيا، إذ ألغي المشروع بسبب خلافات بين شركتي داسو الفرنسية للطيران وشركة إيرباص للدفاع والفضاء الألمانية. أوضح بير إريك سولي، محلل دفاعي أول في المعهد النرويجي للشؤون الدولية (NUPI)، أن البرنامج كان يهدف إلى تطوير منظومة جوية متكاملة من الجيل القادم. وأضاف أنه رغم توقف التعاون بين الشركتين في تطوير الطائرة المأهولة، فإن مستقبل الطائرات المسيرة والسحابة القتالية لا يزال غامضا.
حالة عدم اليقين هذه تحيط بمشروع فرنسي ألماني آخر لتطوير دبابة من الجيل التالي. في هذا الصدد، صرح إميل أرشامبو، خبير سياسات الأمن والدفاع في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية، بأن المشاريع متعددة الجنسيات بين الدول الأوروبية تنجح عندما توائم الحكومات أولوياتها وتنسق فيما بينها. وقد استشهد أرشامبو بطائرة النقل العسكري إيرباص A400M أطلس كمثال على برنامج دفاعي أوروبي تعاوني ناجح.
عقبات مؤسسية وبيروقراطية: لماذا يتأخر وصول السلاح؟
يرى خبراء أن عمليات الشراء الدفاعي لا تزال تشكل عقبة رئيسية تعيق الابتكار والتعاون وسرعة الحصول على المعدات. خلص تقرير نشره المعهد النرويجي للشؤون الدولية (NUPI) إلى أن نقطة الضعف الرئيسية في أوروبا لم تعد مالية، بل مؤسسية. ويجادل التقرير بأن عمليات الشراء الدفاعي تحركها النزعة الحمائية الوطنية، وتجنب المخاطر، وبطء اتخاذ القرار القائم على التوافق، وهو ما يتناقض مع متطلبات المرحلة الحالية.
يؤيد أرشامبو هذا الرأي، ويرى أن للاتحاد الأوروبي دورا قويا في وضع المعايير، لكن تنسيق عمليات الشراء الدفاعي بين عدد كبير من الدول الأعضاء لا يزال يمثل تحديا كبيرا. وأكد أن الحل يكمن في إقامة أنظمة تعاون مصغرة من ثلاث إلى أربع دول متقاربة الرؤى لتطوير وشراء أنظمة أسلحة، مع إتاحة فرصة انضمام دول أخرى.
ويشير الخبراء أيضا إلى وجود ميل واضح في عمليات الشراء نحو الشركات المحلية الكبرى. أوضح تقرير صادر عن مركز الأبحاث الاقتصادي الأوروبي بروغل (Bruegel) ومقره بروكسل في مارس 2026، أن مشتريات الدفاع في العديد من الدول الأوروبية تتجه بشكل أساسي إلى الشركات العشر الكبرى، وأن أكبر عشرة متعاقدين يستحوذون على ما بين 67 و90 بالمئة من مشتريات المعدات العسكرية في ألمانيا وبولندا والمملكة المتحدة. وشددت الدراسة على ضرورة أن تمنح السلطات اهتماما أكبر للشركات الناشئة والصغيرة، بهدف تعزيز الابتكار وتلبية احتياجات الجيوش الحديثة.
الإنفاق الدفاعي والازدهار الاقتصادي: أين تكمن الأولوية؟
تتزايد المخاوف حول قدرة الحكومات الأوروبية على مواصلة الإنفاق الدفاعي المرتفع في ظل الضغوط المتزايدة على المالية العامة وسط استمرار الضعف الاقتصادي. وقد انعكس ذلك بالفعل على قيمة أسهم كبرى شركات الدفاع الأوروبية، إذ انخفض مؤشر ستوكس أوروبا للدفاع المستهدف (STOXX Europe Targeted Defence Index) بأكثر من 15 بالمئة منذ شهر يناير وفقا لصحيفة فاينانشال تايمز.
في حين يخشى آخرون من أن تولي الحكومات الأوروبية الأولوية لمجالات أخرى، مثل الصحة والرعاية الاجتماعية، على حساب الدفاع، وهو ما يعتبره أرشامبو مفاضلة صعبة بين أولويتين متعارضتين. وشدد على أن العديد من الحكومات لا تنظر إلى الإنفاق الدفاعي كونه سياسة أمنية فحسب، بل كوسيلة أيضا لتعزيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل.
ويوضح أرشامبو التفاوتات الإقليمية في الإنفاق العسكري، مبينا أن الدفاع يظل أولوية قصوى للدول القريبة من مناطق التوتر، بينما ينظر إليه في مناطق أخرى على أنه ينافس أولويات اجتماعية أخرى. ومع ذلك شدد على ضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي لتأمين البنية التحتية الحيوية وحماية المكتسبات الاجتماعية من تهديدات مثل توغلات الطائرات المسيرة، أو أعمال التخريب، والهجمات الهجينة، مؤكدا أن هذا أمر ضروري لجميع الدول. فحماية الأسر والمجتمعات، ودرء الفتن والمخاطر عنها، واجب شرعي ووطني تقتضيه ضرورات الاستقرار.
هل تستطيع أوروبا تحمل تكاليف التسلح العسكري الحالي؟
تواجه أوروبا ضغوطا مالية متصاعدة تجعل من استمرار الإنفاق العسكري بهذا الحجم تحديا بالغ الصعوبة، خاصة مع تراجع مؤشرات الأسواق المالية وضعف النمو الاقتصادي.
لماذا تفشل المشاريع الدفاعية المشتركة بين الدول الأوروبية؟
تفشل هالمشاريع غالبا بسبب التشرذم الوطني، وتضارب الأولويات، والنزعة الحمائية التي تحكم عمليات الشراء، مما يعيق التنسيق ويؤدي إلى إلغاء مبادرات استراتيجية كبرى.