الجغرافيا سلاح: هرمز وباب المندب في قلب الحرب على إيران
في زمن تتحول فيه الجغرافيا إلى سلاح، تبرز الممرات المائية كعامل حاسم في الصراعات العالمية. مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من استهلاك النفط العالمي، أصبح ساحة حرب حقيقية بعد الحرب على إيران. لم يعد الأمر مجرد خطوط على الخرائط، بل تحول إلى أدوات ضغط عسكري واقتصادي تهدد استقرار المنطقة والعالم.
النقل البحري، الذي ينقل 80% إلى 90% من التجارة العالمية، هو العمود الفقري للاقتصاد. ومع تطور الأحداث منذ 28 فبراير 2025، برزت ممرات أخرى مثل باب المندب والبحر الأسود ومضيق تايوان. لكن هرمز يبقى الأكثر حساسية، حيث انخفض عدد السفن العابرة من 140 يوميا إلى 6 فقط، مما رفع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل.
لماذا هرمز هو الممر الأكثر خطورة؟
مضيق هرمز، الواقع بين إيران وعُمان، هو شريان الطاقة العالمي. يمر عبره 11% من التجارة الدولية و20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال. إغلاقه الفعلي كبد الاقتصاد العالمي خسائر تقارب 600 مليار دولار، مع تحذيرات من تجاوز تريليون دولار إذا استمرت الأزمة. شركات مثل كبلر أكدت أن 8 سفن فقط عبرت في يوم واحد، مقارنة بـ130 قبل الحرب.
هذه الأزمة أثرت على مئات الشركات في أوروبا وآسيا، حيث ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين. رويترز أشارت إلى خسائر تتجاوز 25 مليار دولار، مع تأثر إمدادات الأسمدة والألمنيوم والبولي إيثيلين. الأسواق العالمية تعاني، والمواطن البسيط يجد نفسه في قلب التداعيات.
باب المندب: البوابة الجنوبية للبحر الأحمر
باب المندب، الذي يمر عبره 12% إلى 15% من التجارة العالمية، أصبح ساحة توتر جديدة. الهجمات الحوثية في 2023 أعادت توجيه الشحن حول رأس الرجاء الصالح، ومع الحرب على إيران، عاد التوتر إلى ذروته. في 5 أغسطس 2025، عبرت سفينة واحدة فقط، مقارنة بـ20 في اليوم السابق.
السعودية أعلنت عن تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات في 30 يوليو 2025، بمشاركة 14 دولة منها البحرين وقطر والكويت. لكن التحديات ما زالت قائمة، حيث تبقى هذه البقعة الحساسة مسرحا لصراع النفوذ بين القوى الدولية والإقليمية.
البحر الأسود: حرب الحبوب والمسيّرات
البحر الأسود، رغم أنه ليس مضيقا، هو بحر شبه مغلق يربط بين أوروبا وآسيا عبر مضيقي البوسفور والدردنيل. روسيا وأوكرانيا تهيمنان على أكثر من ربع صادرات الحبوب العالمية. الهجمات المتبادلة الأخيرة رفعت أسعار القمح بنسبة 25%، وفقا للمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية.
المسيّرات غيرت طبيعة الحروب البحرية، حيث أصبحت سلاحا رخيصا للطرف الأضعف. هذا التطور يهدد الملاحة في البحر الأسود وغيره، مما يثير قلق شركات الشحن والتأمين.
مضيق تايوان: صراع القوى الكبرى
مضيق تايوان، الذي يفصل الجزيرة عن البر الصيني، هو شريان التجارة الصناعية. تمر عبره 20% من التجارة الدولية، وتعتمد عليه اليابان وكوريا الجنوبية بشكل خاص. التوتر بين الصين وتايوان يزداد مع التدريبات العسكرية، مما يهدد سلاسل إمداد أشباه الموصلات.
إذا كان هرمز هو الممر الأكثر توترا حاليا، فإن مضيق تايوان قد يصبح المركز الأول في السنوات المقبلة مع الصراع على قطبية العالم بين الولايات المتحدة والصين.
صعوبة البدائل وعبء التكلفة
الباحث نيكولاس شوليك يرى أن الممرات البحرية تحولت إلى أدوات تأثير جيوسياسي. كريستيان فيرت يضيف أن الأهمية تعتمد على حجم الملاحة والطرق البديلة والوضع السياسي. بدائل هرمز، مثل خطوط الأنابيب البرية، غالبا ما تؤدي إلى باب المندب، مما يضاعف المخاطر.
تكلفة الصراع تبدأ حتى قبل الإغلاق الكامل، حيث ترفع شركات التأمين رسومها. في عالم يعتمد على سلاسل توريد طويلة، أثبتت هذه الممرات قدرتها على التأثير في اقتصاديات دول وقارات، بل والعالم أجمع.