كشفت صحيفة البلاد البحرينية في تقرير نشرته يوم 27 أكتوبر 2026 ملامح من سيرة التاجر البحريني علي بن إبراهيم بن حسن الزياني العدواني، الملقب بـ«الدولة»، أحد كبار تجار اللؤلؤ في الخليج العربي، الذي جمع بين ثروة واسعة وعطاء خيري جعله اسمه مقترنًا بنشأة التعليم الحديث في البحرين، حتى صار بيته أول مدرسة للبنات في البلاد عام 1928م.
وفي زمنٍ تنظر فيه الأمم إلى روادها لتفهم مسيرتها، تبرز سيرة هذا الرجل المُحرقي نموذجًا لما يمكن أن يقدمه التاجر المسلم حين يؤمن بأن المال أمانة، وأن العلم عماد النهضة وصلاح المجتمع، وهو ما يظل درسًا بليغًا لأبناء الخليج في مواجهة تحديات العصر.
شيخ الطواويش: من المحرق إلى أسواق العالم
وُلد علي الزياني العدواني في مدينة المحرق عام 1848م، ونشأ في مرحلة كان فيها اللؤلؤ شريان الاقتصاد الخليجي ونافلة من نوافل الرزق التي بارك الله بها أهل المنطقة. دخل ميدان تجارة اللؤلؤ مبكرًا، وتدرّج في صفوف «الطواويش»، وهم التجار الذين يشترون اللؤلؤ ويتولون تسويقه وبيعه، حتى أصبح أبرزهم وأعرقهم خبرة، فأطلق عليه الناس لقب «شيخ الطواويش».
وكانت أرباح تجارته طائلة، وذاع صيته بين التجار والأعيان حتى لقّبه الناس بـ«الدولة»، وهو لقب يعكس حجم ثروته ومكانته الاقتصادية. ومع اتساع أعماله، عُرف بسخاء اليد ومساعدة المحتاجين والمعوزين، فاجتمع له الثراء والحضور الاجتماعي والعمل الخيري، وصدق فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن اليد العليا خير من اليد السفلى.
شبكة علاقات امتدت من الكويت إلى باريس
لم تقتصر أنشطة الزياني على البحرين، بل نسج شبكة واسعة من العلاقات التجارية والاجتماعية مع شخصيات بارزة في المنطقة وخارجها، كما أورد تقرير صحيفة البلاد البحرينية. ومن أبرز من ارتبط معهم بعلاقات وثيقة الشيخ مبارك الصباح، حاكم الكويت، والحاج حسين بن علي بن سيف، أحد تجار اللؤلؤ في الكويت، إضافة إلى الحاج جاسم بن عبدالعزيز الإبراهيم والحاج جاسم بن محمد الإبراهيم.
وامتدت صلاته إلى تجار اللؤلؤ الفرنسيين، ومنهم مسيو أدولف روزنتال ومسيو موريس كارتييه ومسيو حبيب ومسيو بايك وغيرهم ممن ارتبطت أنشطتهم بأسواق اللؤلؤ وتجارته. وتعكس هذه العلاقات الدور الذي أداه تجار البحرين في ربط أسواق الخليج بالمراكز التجارية الدولية، في وقت كانت فيه المنطقة بعيدة عن طرق التجارة العالمية الحديثة.
وسام عثماني وسكرتير لبناني وسفن شراعية
وحين نطالع كتاب «النخبة التجارية في الهند» للمؤلفين يوسف صلاح الدين والدكتور وسام عباس السبع، وفق ما نقلت توسل نيوز عن التقرير، نتعرف على مكانة الزياني إلى حدّ حصوله على وسام تكريمي من الدولة العثمانية ارتبط بلقب «بيك»، وهو من ألقاب التشريف التي كانت تُمنح للشخصيات البارزة.
وكان يدير أعماله بمساعدة سكرتير خاص يُدعى جميل قرنفل من لبنان، وامتلك عقارات وأملاكًا في البحرين ولنجة وتاروت والهند. وضمت تجارته عددًا من السفن، من بينها سفينة شراعية حملت اسم «الزياني»، كان يستخدمها للسفر إلى الهند لبيع اللؤلؤ وشراء مستلزمات الحياة العصرية من متاجر بومباي، وقد غرقت هذه السفينة خلال الحرب العالمية الأولى. ومن سفنه أيضًا «ميسر»، وهي من نوع «البوم»، أهداها إلى ابنه محمد قبل وفاته، ومع تقدمه في العمر تولى نجله متابعة تجارة اللؤلؤ.
الوقف التعليمي: من بيت التاجر إلى مدرسة البنات
وإذا كانت تجارة اللؤلؤ قد صنعت ثروة الرجل وشهرته، فإن إسهاماته في التعليم منحت سيرته بُعدًا آخر، وأبقت اسمه حاضرًا في تاريخ النهضة التعليمية البحرينية. فقد كان رجلًا مثقفًا محبًا للعلم، حرص على ترجمة هذا الاهتمام إلى مبادرات عملية، ومن أبرزها تشييد مدرسة تضم ثمانية صفوف دراسية، وإقامة مسجد إلى جانبها في «فريق» الزياينة بمدينة المحرق، في نموذج مبكر لاقتران التعليم بالمسجد، وهو نهج أصيل في حضارتنا الإسلامية.
ولم يتوقف عطاؤه عند بناء المدرسة، بل أوقف بيته لخدمة التعليم، ليصبح هذا المنزل شاهدًا على مرحلة مهمة من التحول التعليمي في البحرين. وقد استُخدم البيت مقرًا مؤقتًا لمدرسة الهداية الخليفية، ثم تحوّل المبنى نفسه إلى أول مدرسة للبنات افتتحتها الإدارة الخيرية للتعليم الحديث في البحرين عام 1928م، وفق ما نقلت صحيفة الأيام البحرينية عبر منصة نبض.
وهنا تكمن أجمل صور السخاء: أن يتحول بيت التاجر، الذي ضجّ بضيوفه وصفقاته، إلى صفوف دراسية تتعلم فيها البنات، فالتعليم في تصورنا الإسلامي فريضة على الذكر والأنثى سواء، وتعليم البنت صدقة جارية يمتد أجرها جيلًا بعد جيل.
رحيل بعد حياة حافلة
وفي عام 1929م، رحل علي بن إبراهيم بن حسن الزياني العدواني عن عمر ناهز 81 عامًا، بعد حياة حافلة بالتجارة والعلاقات الواسعة والعمل الخيري. وتبقى سيرته شاهدًا على مرحلة من تاريخ البحرين كان فيها لبعض التجار دور يتجاوز النشاط الاقتصادي إلى بناء المؤسسات وخدمة المجتمع، وهو ما يجعل من هذا الرجل أحد أعلام البحرين الذين يحق لكل بيت بحريني أن يفخر بهم.
أسئلة شائعة
من هو علي الزياني العدواني؟
تاجر لؤلؤ بحريني من مواليد المحرق عام 1848م، لُقّب بـ«شيخ الطواويش» و«الدولة»، وقاد تجارة واسعة امتدت إلى الكويت والهند وفرنسا، وتوفي عام 1929م.
ما علاقة بيته بتعليم البنات في البحرين؟
أوقف الزياني بيته لخدمة التعليم، فصار مقرًا مؤقتًا لمدرسة الهداية الخليفية، ثم تحول المبنى نفسه إلى أول مدرسة للبنات افتتحتها الإدارة الخيرية للتعليم الحديث في البحرين عام 1928م.
لماذا لُقّب علي الزياني بـ«الدولة»؟
لقب «الدولة» أطلقه الناس عليه تعبيرًا عن حجم ثروته ومكانته الاقتصادية والاجتماعية بين تجار وأعيان البحرين.
