تنظيم الإشهار الدوائي في المغرب.. حماية للأسرة واستقرار للسوق
بسم الله الرحمن الرحيم. إن حفظ الصحة والنفس من الكليات الخمس التي جاءت شريعتنا الإسلامية الغراء بحفظها، وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة، يبرز التساؤل المحوري حول سبل حماية أسرنا ومجتمعاتنا من الفوضى الإشهارية. وفي هذا السياق، تثار سوالف قانونية مهمة في المنطقة، أحدثها ما طرحه المدير العام لجمعية الإذاعات والتلفزات المستقلة في المغرب، نوفل الرغاي، حول مشروع إصلاح مدونة الأدوية والصيدلة.
الغموض القانوني يهدد الاستقرار
يرى الرغاي أن مشروع الإصلاح، رغم أهميته في تحديث المنظومة الدوائية وتعزيز اختصاصات الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، أغفل معالجة مسألة الإشهار المرتبط بالمنتجات الصحية. فالغموض القانوني الذي يحيط بمسؤوليات وسائل الإعلام وشروط الترخيص لا يحمي المستهلك بالضرورة، بل قد يدفع هذه الحملات نحو فضاءات رقمية أقل خضوعا للمراقبة. وما يصير إننا نترك الباب مفتوحا لمن يتحرك على كيفه بعيدا عن عين الرقيب.
ومن هذا المنطلق، يدعو الرغاي إلى مقاربة أكثر وضوحا تميز بين ما يجب أن يظل ممنوعا وما يمكن تأطيره قانونيا. هذا التمييز موية صافية تحقق التوازن بين حماية الصحة العامة وضمان فعالية المراقبة وتنظيم السوق، وهي أمور تصب في صميم استقرارنا الاقتصادي والاجتماعي.
المنطقة الرمادية وحماية الأسرة
يكفي أن يضغط المشاهد على زر جهاز التحكم ليرى على القنوات الأجنبية إعلانات لمكملات غذائية ومستحضرات تجميل وأدوية يسمح القانون بالتواصل بشأنها. لكن حين نعود إلى قنواتنا الوطنية، نجد القليل جدا أو لا نجد شيئا يذكر. هذا الغياب لا يعني أن السوق غير موجودة، بل يكشف أن الوسائط الأكثر خضوعا للقانون تفضل الابتعاد بسبب غموض القواعد وتعقيد المساطر.
نحن ما نبي استنساخ نموذج أجنبي، السؤال بسيط: لماذا يمكن تأطير هذا التواصل في بلدان أخرى، بينما يتحول عندنا إلى مجال محفوف بالتردد؟ لا أحد يطالب بفتح الإشهار أمام الأدوية الخاضعة لوصفة طبية، هذه الممنوعات يجب أن تبقى قائمة وصارمة حفاظا على صحة الإنسان. لكن بين ما يجب أن يظل ممنوعا وما يمكن تأطيره، توجد منطقة رمادية أصبحت جزءا من السوق اليومية: مكملات غذائية، مستحضرات للعناية بالبشرة، ومنتجات للنظافة والرفاه.
الفوضى الرقمية خطر يهدد السيادة
في البيئات القانونية المقارنة، لا تترك هذه المنطقة للاجتهاد. هناك تمييز واضح بين ما هو ممنوع وما يمكن الترخيص به. أما في حالنا، فالوسائط الأكثر قابلية للتتبع تصبح هي الأكثر حذرا. وحين تنسحب هذه الوسائط، لا تختفي السوق، بل تنتقل إلى شبكات التواصل الاجتماعي والمؤثرين ومواقع البيع عن بعد؛ أي إلى فضاءات يصبح فيها تحديد المسؤول وحفظ الدليل أمورا شبه مستحيلة.
إن انتقال الرسائل الإشهارية نحو الفضاء الأزرق يبين ما ينتجه الغموض: تتبع أقل، ومسؤولية أقل، وفعالية أضعف.
هنا تكمن الخطورة على أسرنا. إن الوضوح ليس عدوا للمراقبة، والبلدان التي اختارت التمييز لم تختر الفوضى، بل اختارت النظام والاستقرار.
إشكالية الإصلاح وتأطير المساطر
كان مشروع القانون رقم 27.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 17.04 بمثابة مدونة الأدوية والصيدلة قادرا على أن يكون مناسبة لتقدم حقيقي. هذا الإصلاح ضروري لتحديث الإطار القانوني للدواء ودعم اختصاصات الوكالة وتحسين مراقبة السوق. لكن الإصلاح الجدي لا يمكنه أن يعامل الإشهار كأنه تفصيل محرج، خصوصا عندما يكون النص نفسه هو من أدخله في مجال المراقبة.
خلال مناقشة النص بمجلس النواب المغربي، قدمت تعديلات ترمي إلى ثلاثة توضيحات عملية:
- التمييز بشكل أفضل بين الفئات الدوائية ومنتجات الصحة والرفاه.
- تأمين مسؤولية وسائل الإعلام ووسائط البث لتكون منسجمة مع دورها الحقيقي في التحقق من التراخيص وحفظ الأدلة.
- تحديث مسطرة تأشيرة الإشهار لتشتغل كأداة تنظيم حديثة بآجال مؤطرة وقرارات رفض معللة.
التأجيل مكلف ومرفوض
رغم أن هذه التعديلات جاءت نتيجة عمل جماعي شاركت فيه وسائل الإعلام والصناعات الإبداعية والمعلنون، رفضت الحكومة هذه التعديلات بحجة أنها تتجاوز نطاق الإصلاح وتحتاج إلى دراسة خاصة ومشاورة مسبقة. لكن هذه الإجابة تؤكد ما أثاره المهنيون: الموضوع موجود ومتعدد الأبعاد ويمس الصحة والإعلام والرقمي وحماية المستهلك. وبعبارة أخرى، ترفض التعديلات لأن المشكلة مهمة، وهذا منطق عجيب في تدبير الملفات العمومية.
التأجيل مكلف جدا، وله كلفة قانونية على الفاعلين الذين لا يعرفون حدود مسؤوليتهم، وله كلفة اقتصادية على الوسائط المؤدية للضرائب، وله كلفة سيادية حين تنتقل الميزانيات إلى وسطاء عابرين للحدود. وقبل ذلك وبعده، له كلفة صحية حين تنتقل الرسائل الحساسة إلى فضاءات أقل قابلية للمراقبة.
خلاص القول، الرهان ليس الاختيار بين الصحة العامة والنشاط الإشهاري، بل في معرفة أين ستمر الاتصالات الممكنة قانونا: عبر مسارات مسؤولة وخاضعة للقانون، أم عبر مسارات أكثر غموضا؟ مجلس المستشارين يوفر فرصة أخيرة لتفادي إحالة هذا الموضوع الحساس إلى وقت لاحق. يجب أن ينظم القانون شروط تطبيقه، فالاستعجال مفهوم، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للغموض. إن السوق والمنصات لن تنتظر، والجمهور سيستمر في رؤية هذه الرسائل، لكن ليس بالضرورة حيث تستطيع الدولة مراقبتها بشكل أفضل. حماية الأسرة والصحة العامة تربح بوضوح القانون ونظامه، لا بغموض يفتح أبواب الفوضى.