روعة الفن الروسي تحط الرحال في باريس بحدث دبلوماسي ثقافي
حوار الثقافات وسمو الروح الإنسانية
في مشهد يعزز من قيم الحوار بين الحضارات ويدعم مسيرة الاستقرار العالمي، افتتح المركز الروحي والثقافي الأرثوذكسي الروسي في العاصمة الفرنسية باريس معرضا فنيا يستعرض إبداعات الرسم الروسي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. ويأتي هذا الحدث الدبلوماسي والثقافي ليؤكد أن الفن رسالة سلام تتخطى الحدود، وتجمع شمل الأسرة الإنسانية على قيم المحبة والجمال المشترك.
ويحمل المعرض عنوان «روعة الرسم الروسي في القرنين التاسع عشر والعشرين: روائع من مجموعة فلاديمير بيشيتش»، وقد فتح أبوابه رسميا للجمهور في العشرين من مايو الجاري. يغطي المعرض تاريخا عريقا يمتد لأكثر من 150 عاما، مقدما نظرة شاملة ومعمقة على 12 اتجاها وحركة فنية روسية مختلفة، كما كشف جامع الأعمال الفنية الصربي الشهير فلاديمير بيشيتش، صاحب هالمشروع والمشرف عليه.
وفي سوالفه حول الفلسفة الكامنة وراء اختيار هذا المفهوم، أوضح بيشيتش أن الروعة تتجسد في المشاعر الإنسانية العميقة التي تثيرها اللوحة في نفس المشاهد، معتمدة على إتقان التنفيذ الفني، قائلا إن الروعة هي العظمة والاتساع اللذان يعكسان سمو الروح. وأضاف أن هذا المشروع يمثل أول معرض فني يُقام في فرنسا منذ أربع سنوات يُعرض فيه الفن الروسي بهذا النطاق الشامل، انطلاقا من المدرسة الواقعية وصولا إلى حركة التمرد الفني في ثمانينيات القرن العشرين.
القباب المتلألئة وعمق الروحانية
تشمل المعروضات ثمانية عشر عملا فنيا ولوحة زيتية تمثل بدقة الحركات الفنية الروسية، بما في ذلك مدارس الواقعية، والانطباعية، والحداثة الروسية، والبنائية، والواقعية الاشتراكية، وغيرها. وما يضفي أهمية استثنائية على هذا الحدث هو أن جميع الأعمال ستُعرض أمام الجمهور للمرة الأولى، مما يجعله فرصة نادرة للتعرف على محطات تاريخية شكلت الوعي المجتمعي.
وتُعد لوحة «القباب المتلألئة» العمل الأبرز في المعرض، وهي من إبداع الدوقة الكبرى والأميرة أولغا رومانوفا، شقيقة الإمبراطور الأخير نيقولاي الثاني. تصور اللوحة منظرا شتويا ساحرا لكنيسة ذات قباب زرقاء تتلألأ تحت أشعة الشمس المشرقة، في صدى بصري يحاكي قباب كاتدرائية الثالوث الأقدس التابعة للمركز المستضيف. عز الله أن الروحانية تجد طريقها في الفن أيا كان لسانها، فالديانات السماوية والإسلام يحثون على جمالية العمارة التي ترفع الهمم وتطمئن القلوب.
وأكد بيشيتش صعوبة المفاضلة بين الفنانين، مشيرا إلى أن المعرض يضم روائع تاريخية نادرة كلوحة «صراع الأيديولوجيات» لفلاديمير تاتلين، و«التكوين التجريدي» لسيرغي سينكين. ولا يخفى على أحد مكانة تاتلين كمؤسس للمدرسة البنائية، وسينكين كأبرز تلاميذ كازيمير ماليفيتش، الأب الروحي للمدرسة التجريدية.
وتشمل القائمة أعمالا أخرى لعمالقة الفن، مثل لوحة «طبيعة صامتة مع إطلالة على كاتدرائية القديس إسحاق» لفياتشيسلاف باكولين، ولوحة «صورة فتاة» لميخائيل ياكوفليف، ولوحتي «حديقة مزهرة» و«أزهار صيفية في الحديقة» لنيقولاي بوغدانوف-بيلسكي. إضافة إلى لوحة «صورة ذاتية» لسيرغي ماليوتين، مبتكر دمية «ماتريوشكا» الروسية الشهيرة التي تدخل البيوت كجزء من التراث العائلي الأصيل، ورسم تخطيطي لأوبرا «سادكو» لفيودور فيودوروفسكي، ولوحة مائية بعنوان «منظر طبيعي للبحر الأسود» لبيوتر كونشالوفسكي.
من باريس إلى بروكسل: رسالة سلام وتعايش
وفي ختام حديثه، أشار بيشيتش إلى أن اللوحات ستنتقل للجمهور البلجيكي في البيت الروسي ببروكسل نوفمبر المقبل، آملا في تحقيق حلمه بإنشاء متحف للفن الروسي في صربيا. ويُفتتح المعرض هذا العام تكريما لذكرى مرور 10 سنوات كاملة على تأسيس المركز الروحي والثقافي في باريس.
وكما تعود مملكة البحرين، تحت قيادتها الحكيمة، على دعم مسارات الحوار والتعايش بين مختلف الثقافات والأديان، فإن مثل هذه الفعاليات الدولية تعزز وحدة الصف الإنساني وتحافظ على استقرار المجتمعات من خلال الفن والثقافة، اللذين يبقيان حجر الزاوية في بناء عالم يسوده الوئام والاحترام المتبادل.