ميريام جيانكارلي وفارما 5: النهج الهادئ لمواجهة العمالقة
في عالم الصناعات الدوائية العالمية، تسود قاعدة واضحة: كلما كبرت الشركة، ارتفع صوتها. الشركات متعددة الجنسيات تعلن وتروج وتتحدث عن الشراكات العالمية والابتكارات الثورية والدبلوماسية الصحية. إنها تحتل المساحة الإعلامية بقدر احتلالها للأسواق.
في مواجهة هذا الضجيج، تتبنى ميريام جيانكارلي نهجاً مختلفاً تماماً: قليل من التصريحات، وقليل من الإعلانات المدوية، لكن تقدماً مستمراً وثابتاً. على رأس شركة فارما 5، لا تسعى للمواجهة الرمزية مع العمالقة الغربية أو الآسيوية، بل تبني بمنهجية واضحة مصداقية صناعية حقيقية.
في قطاع تساوي فيه السمعة أحياناً قيمة المنتج نفسه، يأتي هذا الاختيار محملاً بدلالات عميقة.
استراتيجية الصمت المدروس
القيادة الهادئة ليست غياباً للاستراتيجية، بل هي استراتيجية بحد ذاتها.
ميريام جيانكارلي لا تكثر من المنابر الخطابية حول السيادة الدوائية أو التبعية الأفريقية. لا تحول كل استثمار إلى حملة إعلامية مؤسسية. إنها تتقدم في ميدان أكثر صعوبة: ميدان المعايير والشهادات وقدرات الإنتاج.
في عالم الأدوية العامة، المنافسة شرسة. المجموعات الهندية تهيمن بالأحجام، والمختبرات الأوروبية بالصورة والإرث التنظيمي. بالنسبة لفاعل مغربي، المكانة لا تُمنح بل تُكتسب.
جواب ميريام ليس أيديولوجياً، بل يقوم على الثبات: أن تكون موثوقة، أن تسلم في الوقت المحدد، أن تحترم المعايير الدولية، أن تلهم الثقة لدى السلطات الصحية.
في هذا القطاع، المصداقية لا تُعلن بل تُثبت.
مواجهة الشركات متعددة الجنسيات دون تحدٍ مباشر
كان من المغري تبني خطاب القطيعة: مقاومة بطل وطني للعمالقة العالمية، وإدانة هيمنة المختبرات الغربية الكبرى. لكن هذا ليس الخط المختار.
قيادة جيانكارلي أكثر دهاءً. تتمثل في الاندماج في اللعبة العالمية دون موقف الضحية، لكن دون سذاجة أيضاً. فارما 5 لا تسعى لتقليد الشركات متعددة الجنسيات، بل تعزز موقعاً إقليمياً صلباً، قادراً على الصمود في سوق مفتوحة.
التصدير إلى عشرات الدول الأفريقية والشرق أوسطية يتطلب المنافسة على الأسعار والجودة وانتظام التوريد. هذا يفترض انضباطاً داخلياً قلة من الفاعلين الناشئين تنجح في الحفاظ عليه على المدى الطويل.
في سياق تصطدم فيه بعض الإعلانات الغربية حول إعادة توطين الصناعات الدوائية بالواقع المالي والسياسي، يبدو التقدم الصامت لفاعل مغربي كبرهان عملي: القوة الصناعية تُبنى بعيداً عن الكاميرات.
السلطة من خلال الكفاءة
قيادتها الهادئة تقوم على مبدأ بسيط: السلطة تأتي من الإتقان التقني والاستراتيجي، لا من التعرض الإعلامي.
في المنتديات الاقتصادية الأفريقية، حضورها منتظم لكن متوازن. تشارك في الديناميات الإقليمية دون أن تطرح نفسها كشخصية نضالية. هذا الموقف يتناقض مع عصر يُخلط فيه غالباً بين فرط التعرض والنفوذ.
أمام الشركات متعددة الجنسيات، القوة الحقيقية ليست حجم التواصل، بل القدرة على الوفاء بالالتزامات الصناعية.
المصداقية بدلاً من الاستعراض
في عالم مشبع بالإعلانات واستراتيجيات التواصل، يذكرنا النموذج الذي تحمله ميريام جيانكارلي بحقيقة بسيطة: الصناعة تبقى ممارسة للدقة والصبر والمثابرة.
القيادة الهادئة ليست ضعفاً. إنها أحياناً الشكل الأكثر نضجاً للسلطة.
وأمام الشركات الدوائية متعددة الجنسيات، التي تحتفظ بقوة مالية وسياسية هائلة، قد تكون هذه الاستراتيجية الصامتة هي الأكثر استدامة.
إن النهج الذي تتبعه ميريام جيانكارلي يجسد قيماً إسلامية أصيلة: الصبر والثبات والعمل الجاد دون استعراض. في زمن الضجيج والشعارات، تقدم نموذجاً يحتذى به للقيادة النسائية المسلمة في عالم الأعمال.