موجة استحواذات تُخرج شركات كبرى من بورصة لندن وقيمة الصفقات تتجاوز 100 مليار دولار
تشهد بورصة لندن موجة غير مسبوقة من عمليات الاستحواذ التي تُخرج شركات مدرجة من السوق، حيث تجاوزت قيمة الصفقات منذ بداية العام الجاري 100 مليار دولار. وفي تطور لافت، أعلنت ثلاث شركات جديدة، منها مجموعة صناعية وشركة اتصالات وأخرى للطاقة، عن موافقتها أو دراستها لعروض استحواذ، في مؤشر على استمرار الضغوط على السوق البريطانية.
لماذا تتزايد عمليات الاستحواذ على الشركات المدرجة في لندن؟
تعزو الأوساط المالية هذا التزايد إلى جاذبية السوق البريطانية للمستثمرين الأجانب، خاصة من الولايات المتحدة وأوروبا، الذين يجدون في الشركات المدرجة فرصاً للنمو على المدى الطويل خارج إطار الأسواق العامة. وتُظهر الصفقات الأخيرة أن المشترين يفضلون إدارة هذه الشركات ككيانات خاصة، مما يمنحها مرونة أكبر في الاستثمار والتوسع.
صفقة بوديكوت: منافسة أمريكية أوروبية على مجموعة صناعية عريقة
وافقت مجموعة «بوديكوت» الصناعية، المدرجة على مؤشر «فوتسي 250» منذ عام 1972، على عرض استحواذ بقيمة 1.84 مليار جنيه إسترليني من مجموعة «فيريتاس» الأمريكية للاستثمار المباشر. وتقدم الشركة خدمات تشمل المعالجة الحرارية للتصنيع وربط المعادن والطلاءات المعدنية الواقية، وقد أصبحت محط منافسة بين «فيريتاس» ومجموعة «سي في سي» الأوروبية، التي أشارت إلى احتمال تقديم عرض منافس. وقفزت أسهم «بوديكوت» بنسبة 4.5% بعد هذا الإعلان.
وقالت «فيريتاس» إن «بوديكوت» ستستفيد، كشركة خاصة، من مرونة أكبر ومنظور طويل الأجل لدعم استمرار الاستثمار في أعمالها والسعي وراء فرص نمو مستهدفة. في المقابل، نصحت «بوديكوت» مساهميها بعدم اتخاذ أي إجراء رداً على العرض الحالي في الوقت الحالي، بانتظار موقف «سي في سي».
جاما كوميونيكيشنز: توصية بقبول عرض إيبيريس البريطاني
في قطاع الاتصالات، أوصت شركة «جاما كوميونيكيشنز» بقبول عرض بقيمة 1.1 مليار جنيه إسترليني من شركة «إيبيريس» البريطانية للاستثمار المباشر. وكانت «إيبيريس» قد أبدت اهتمامها بالاستحواذ منذ يونيو الماضي، وأكدت أن العمل في بيئة الشركات الخاصة سيتيح لـ«جاما» زيادة الاستثمار والتركيز على تحسين نمو أعمالها بصورة مستدامة على المدى الطويل.
كابريكون للطاقة: صفقة مع منافستها النرويجية تنهي 38 عاماً في السوق
أما في قطاع الطاقة، فتستعد شركة «كابريكون» الاسكتلندية لإنهاء مسيرتها التي استمرت 38 عاماً على مؤشر «فوتسي» لجميع الأسهم، بعد إبرامها صفقة مع منافستها النرويجية «دي إن أو» بقيمة 396 مليون دولار. وكانت «كابريكون» قد أوصت بعرض من شركة «جينيل إنرجي»، لكنها غيّرت توصيتها بعد تلقي عرض أعلى من «دي إن أو».
ما تأثير هذه الموجة على مستقبل بورصة لندن؟
تزيد عمليات الاستحواذ من الضغوط على بورصة لندن، التي شهدت خروج عدد كبير من الشركات هذا العام في صفقات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 110 مليارات دولار. ويحذر خبراء من أن هذه الموجة قد تكون لها تداعيات سلبية على المدى الطويل، رغم العوائد التي يحصل عليها بعض المستثمرين.
وقال خبير الاستثمارات روس مولد: «يواصل المشترون من الخارج التهام السوق البريطانية مثل زبائن جائعين في مطعم يقدم بوفيه مفتوحاً»، مضيفاً: «في حين قد يحتفل بعض المستثمرين بالعائد الذي يحصلون عليه من موجة الاندماجات والاستحواذات، فإن التداعيات على المدى الطويل قد تكون قاتمة. فهذه الصفقات تعني مزيداً من التراجع في اتساع ونوعية السوق البريطانية، التي تكافح لجذب شركات جديدة لتحل محل الشركات التي يجري الاستحواذ عليها».
صفقات كبرى شملتها الموجة: من إيزي جيت إلى شرودرز
تشمل موجة إبرام الصفقات استحواذ شركة «أبولو» الأمريكية على «إيزي جيت» للطيران مقابل 5.7 مليار جنيه إسترليني، واستحواذ شركة «برولوجيس» الأمريكية على شركة «سيجرو» المالكة لمستودعات التخزين مقابل 14 مليار جنيه إسترليني، وبيع شركة «كومكاست» أعمال البث والتدفق التابعة لشركة «آي تي في» مقابل 1.6 مليار جنيه إسترليني. كما وافقت مجموعة «شرودرز» البريطانية التاريخية لإدارة الأصول على الاستحواذ عليها مقابل 9.9 مليار جنيه إسترليني من جانب مستثمر أمريكي.
وتشمل الصفقات الأخرى استحواذ مجموعة من المستثمرين بقيادة شركة «إي كيو تي» السويدية على مجموعة «إنترتك» لاختبارات المختبرات مقابل 10 مليارات جنيه إسترليني في يونيو، كما وافقت شركة «بيزلي» للتأمين على صفقة بقيمة 8 مليارات جنيه إسترليني للاستحواذ عليها من جانب منافستها الأكبر «زيورخ» في فبراير.
وتبقى هذه التطورات مؤشراً على تحولات هيكلية في الأسواق المالية العالمية، حيث تتجه الشركات الكبرى إلى بيئات أكثر مرونة، بينما تواجه البورصات التقليدية تحديات متزايدة في الحفاظ على جاذبيتها.