مستقبل الفيفا بعد إنفانتينو.. الأندية والاتحادات تتصارع على مفاتيح اللعبة
تتجه كرة القدم العالمية نحو مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل موازين القوى داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، في ظل الضغوط المتصاعدة على رئيسه السويسري جياني إنفانتينو، بعد كشف خطة مثيرة للجدل لبيع جزء من الحقوق التجارية للاتحاد، وما تلاها من أزمة سياسية وإدارية هزّت أروقة المؤسسة الكروية الأكبر في العالم.
ويواجه إنفانتينو اختباراً بالغ الصعوبة للحفاظ على موقعه، فيما بدأت تحركات واتصالات خلف الكواليس بين مراكز القوى في كرة القدم العالمية لبحث شكل الفيفا في مرحلة ما بعد الرئيس السويسري، مع مقترحات بإعادة توزيع السلطات داخل الاتحاد الدولي وتقليص صلاحيات الرئيس ومنع تركيز النفوذ في يد شخص واحد.
مخطط لإعادة بناء الفيفا
لا تقتصر النقاشات الدائرة على اسم الرئيس المقبل للاتحاد الدولي، بل تتجاوز ذلك إلى البحث في شكل الإدارة نفسها خلال السنوات المقبلة. ومن أبرز الأفكار المطروحة تقليص الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها رئيس الفيفا، إلى جانب وضع نظام أكثر صرامة لتداول الرئاسة بما يحول دون استمرار تركيز القوة في يد الرئيس لفترات طويلة.
كما تتضمن التصورات تعزيز دور الجهاز الإداري المركزي داخل الفيفا، بحيث يصبح أكثر استقلالية وقدرة على إدارة الملفات اليومية والاستراتيجية، على غرار المؤسسات الإدارية الكبرى التي تعتمد على جهاز بيروقراطي محترف ومستقر، بدلاً من ارتباط جزء كبير من صناعة القرار بشخص رئيس الاتحاد.
ويعكس هذا الطرح رغبة بعض القوى في وضع ضوابط جديدة على منصب رئيس الفيفا، خصوصاً بعد الجدل الذي أثارته القرارات والتحركات المنسوبة إلى إنفانتينو في السنوات الأخيرة.
إنفانتينو أمام معركة صعبة
ويواجه إنفانتينو مرحلة هي الأصعب منذ وصوله إلى رئاسة الفيفا في 2016، بعدما تحولت قضية خطة الاستثمار والحقوق التجارية إلى أزمة سياسية واسعة داخل الاتحاد الدولي. وتشير تقديرات داخل دوائر مؤثرة في كرة القدم الأوروبية والآسيوية وأميركا الشمالية إلى أن فرص الرئيس السويسري في الفوز بالانتخابات المقبلة المقرر إجراؤها في مارس لم تعد مضمونة، بل إن بعض التقديرات تذهب إلى احتمال عدم وصوله إلى موعد الانتخابات من الأساس إذا تصاعدت الضغوط المطالبة برحيله.
وكان إنفانتينو قد نجح منذ وصوله إلى الرئاسة في تعزيز نفوذه داخل المؤسسة الدولية، مستفيداً من شبكة واسعة من العلاقات مع الاتحادات القارية والوطنية. لكن الأزمة الأخيرة وضعت هذا النفوذ أمام اختبار حقيقي، بعدما بدأت اتحادات كانت تُحسب تقليدياً ضمن دائرة مؤيديه في إعادة تقييم مواقفها.
أفريقيا.. ورقة لم تعد مضمونة
ومن أبرز التطورات التي أثارت الانتباه خلال الأيام الأخيرة اللقاء الذي جمع باتريس موتسيبي رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف) ونائب رئيس الفيفا، مع ألكسندر تشيفرين رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) في مدينة سالزبورغ. وتكمن أهمية اللقاء في أن موقف الاتحاد الأفريقي يمثل واحدة من أهم الأوراق الانتخابية في حسابات رئاسة الفيفا، إذ تمتلك القارة الأفريقية 54 صوتاً داخل الجمعية العمومية للاتحاد الدولي.
وكانت هذه الأصوات تُعتبر في وقت سابق داعمة بدرجة كبيرة لإنفانتينو، كما كان موتسيبي نفسه يُنظر إليه باعتباره أحد الشخصيات القريبة من رئيس الفيفا. لكن المشهد بدأ يتغير بعد الكشف عن تفاصيل الخطة الاستثمارية المثيرة للجدل، وأصبحت الأصوات الأفريقية محل منافسة حقيقية بين مختلف الأطراف.
ورغم ذلك، دعا موتسيبي معارضي إنفانتينو إلى الالتزام بالإجراءات الديمقراطية، مؤكداً أن تغيير رئيس الفيفا يجب أن يتم عبر صناديق الاقتراع إذا كانت هناك رغبة حقيقية في إحداث تحول داخل الاتحاد الدولي.
لماذا أصبحت الأندية لاعباً رئيسياً؟
ولا يمكن فصل الأزمة الحالية عن تصاعد نفوذ الأندية الكبرى في كرة القدم العالمية، بعدما أصبحت هذه الأندية تملك جزءاً متزايداً من القوة الاقتصادية والتجارية للعبة. وتحظى رابطة الأندية الأوروبية (ECA) بنفوذ متنامٍ داخل منظومة كرة القدم، خصوصاً في ظل امتلاك الأندية الكبرى الحصة الأكبر من النجوم الذين يمثلون منتخبات بلادهم في البطولات الدولية.
وتواجه الأندية منذ سنوات معضلة أساسية تتمثل في محدودية تأثيرها على القرارات التي يتخذها الفيفا، رغم أن هذه القرارات ترتبط بصورة مباشرة بمصالحها الاقتصادية والرياضية، وعلى رأسها روزنامة المباريات الدولية وتوقيت البطولات وقواعد مشاركة اللاعبين مع المنتخبات. ومن هنا أصبح الخلاف بين الأندية والاتحاد الدولي يتجاوز مجرد مسألة التعويضات المالية، ليمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بمن يملك حق صناعة القرار في كرة القدم العالمية.
263 مليون جنيه إسترليني.. فاتورة مشاركة اللاعبين
وتخوض رابطة الأندية الأوروبية مفاوضات مستمرة مع الفيفا بشأن التعويضات التي تحصل عليها الأندية مقابل السماح للاعبيها بالمشاركة مع منتخبات بلادهم في البطولات الكبرى. وحصلت الأندية، وفق المعطيات الواردة في التقارير، على نحو 263 مليون جنيه إسترليني مقابل مشاركة لاعبيها في النسخة الأخيرة من كأس العالم.
ورغم ضخامة الرقم، فإن الأندية الكبرى ترى أن حجم الإيرادات التي تحققها البطولات الدولية، وفي مقدمتها كأس العالم، يبرر الحصول على حصة أكبر من العوائد، خصوصاً أن الأندية تتحمل الجزء الأكبر من تكلفة تطوير اللاعبين ورواتبهم وتأمينهم. ومن ثم، فإن أي محاولة لإعادة تشكيل العلاقة بين الفيفا والأندية ستصبح واحدة من الملفات الأساسية في مرحلة ما بعد إنفانتينو.
ويبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول مستقبل أكبر مؤسسة كروية في العالم، وما إذا كانت الأزمة الحالية ستعجل بتحولات جذرية تعيد توزيع النفوذ بين الاتحادات القارية والأندية الكبرى، بما يخدم استقرار اللعبة ومصالح جميع الأطراف.