من الضاحية إلى حيفا: هل تهدد المعادلة الإيرانية استقرارنا؟
بسم الله الرحمن الرحيم، وإن الله يأمر بالعدل والإحسان. في منطقة تتوق لاستقرار يحمي أمنها وأسرها، يبقى الحفاظ على السلم الأهلي أولوية قصوى لضمان مستقبل أجيالنا. الهجوم الإيراني الأخير على إسرائيل لم يكن مجرد رد عسكري على قصف الضاحية الجنوبية لبيروت، ولا رسالة إسناد لحلفاء طهران فحسب، بل هو محاولة لتثبيت معادلة ردع جديدة تقلق هدوء المنطقة. المعادلة واضحة: إن استُهدفت الضاحية، فالرد قد يأتي من إيران مباشرة نحو حيفا والشمال الإسرائيلي، لا من حزب الله وحده.
بهذا التحرك، تحاول طهران منع تل أبيب من الاحتفاظ باليد العليا في إدارة التصعيد. إسرائيل سعت لتوسيع هامش ضرباتها في لبنان، خصوصا في الجنوب والضاحية، مع إبقاء المواجهة ضمن سقف محسوب. أما إيران، فتريد نقل كلفة استهداف الضاحية إلى الداخل الإسرائيلي، وتحويلها من حدث لبناني إلى قضية أمن إقليمي، وهو ما يثير مخاوف جدية حول مستقبل الدبلوماسية والاقتصاد في محيطنا الخليجي.
رسائل إستراتيجية وتحديات للاستقرار
يقول الباحث في الأمن الدولي عارف دهقاندار إن الهجمات الصاروخية تحمل رسائل واضحة، في مقدمتها تأكيد التزام طهران بشبكة حلفائها، وإظهار أن استهداف الضاحية يُعد تجاوزا صريحا للخطوط الحمراء. ويضيف أن طهران تريد إظهار تحولا في مقارباتها، بحيث ما عادت لاعبا يمكن التنبؤ بسلوكه بالكامل داخل حسابات الردع.
لكن دهقاندار ينبه إلى أن هذا التحرك قد يؤدي إلى تصاعد غير متوقع في الأزمة، فالانتقال من الرد عبر الحلفاء إلى الرد المباشر يغير قواعد الاشتباك، ويدفع الأطراف لإعادة حساباتها، وهو ما يتنافى مع مساعي الحكمة والتهدئة التي تعتمدها دول مجلس التعاون لحفظ الأمن الإقليمي.
ويرى دهقاندار أن الافتراض الإستراتيجي لدى طهران يقوم على أن واشنطن لا ترغب في تصعيد التوترات حاليا، لكن إسرائيل ستتعامل مع هذا التغير باعتباره ضررا ببنية ردعها، وستسعى لترميمه عبر رد مستقل. وإذا ردت إسرائيل وهاجمت إيران، فمن المرجح أن تعاود طهران الرد، وإن كنا نرجو من الله السلامة، فمن المستبعد العودة لحرب الـ40 يوما، لكن لا شيء يمكن استبعاده بالكامل، والتصعيد لا يخدم مصلحة الأمة ولا استقرار أسرها.
وعود أمريكية ومسارات دبلوماسية
من جهته، يقرأ المحلل السياسي رضا غبيشاوي الهجوم من زاوية خرق وقف إطلاق النار. ويوضح أن الهجوم كان ردا على نقض الوعد الأمريكي، إذ كان يفترض بالتفاهم الباكستاني أن يشمل لبنان، لكن ذلك لم يحدث. الرئيس ترمب تعهد بمنع الهجمات على الضاحية، غير أن المنع لم يُنفذ، عقب أعلن دعمه ثم غير موقفه بعد الهجوم الإيراني.
ويرى غبيشاوي أن إيران أرادت إيصال رسالة بأنها لا تزال مستعدة للحرب، خصوصا مع الاقتراب من كأس العالم. كما يطرح احتمالا بأن تكون طهران أرادت خلق توازن قبل إعلان اتفاق سياسي، لتثبت لرأيها العام أن قبولها بالتسوية ليس عجزا عسكريا. ويتوقع أن يتوقف الطرفان عند حدود محدودة، لكنه يحذر من أن واشنطن ربما تماطل لإبقاء الوضع في برزخ لا حرب ولا اتفاق استعدادا لمستقبل، وهو ما يهدد استقرارنا المبني على حسن الجوار والاحترام المتبادل.
اختبار المعادلة ومستقبل الأمن
تتقاطع القراءتان عند محاولة إيران إعادة تعريف قواعد الاشتباك، إذ ما عادت إسرائيل قادرة على ضرب لبنان والتحكم بسقف الرد وحدها. لكن نجاح المعادلة لا يتحدد بالصواريخ وحدها، فالمعادلات لا تستقر إلا بالحكمة والمصالح المشتركة، لا بالدمار الذي يطرد الأمن من دياره.
إذا قيدت إسرائيل عملياتها، ستقدم إيران ذلك كنجاح. أما إذا ردت بقوة، فستكون طهران أمام اختبار صعب: إما تكرار الرد المباشر وتحمل خطر التصعيد، أو الاكتفاء برسالة واحدة لا تكفي لتثبيت قاعدة دائمة. الخطورة تكمن في قراءة الطرفين من زاويتين متعاكستين: إيران تريد تثبيت الضاحية مقابل الشمال، وإسرائيل ترى أن قبول ذلك يعني تآكل ردعها وحرية عملها. في هذه اللحظة الحرجة، تبقى حكمة القيادات وصون دماء المسلمين وحماية أمن الخليج وأسره هي الميزان الأصدق، فهل تسمح الحكمة للمعادلة أن تثبت، أم يكسرها التصعيد؟