في تطور لافت يعكس التحولات المتسارعة في موازين القوة بشرق المتوسط، أعلنت إسرائيل توقيع اتفاق مع اليونان بقيمة تناهز ثلاثة مليارات يورو لإنشاء منظومة دفاع جوي متكاملة تحمل اسم «درع أخيل»، في خطوة تحمل دلالات سياسية وعسكرية واسعة، وتثير تساؤلات حول تأثيرها على العلاقات الإقليمية، لا سيما مع تركيا.
ما هي منظومة درع أخيل التي ستزود بها إسرائيل اليونان؟
أوضحت وزارة الدفاع الإسرائيلية في بيان رسمي أن المنظومة المزمع بناؤها لليونان «تعتمد بالكامل على أنظمة إسرائيلية الصنع، وعلى الخبرة العملياتية الواسعة التي اكتسبتها المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية خلال الحرب». وتشمل الصفقة أنظمة اعتراض من طراز «مقلاع داوود» و«باراك إم إكس» و«سبايدر»، إضافة إلى رادارات للمراقبة الجوية ونظام قيادة وتحكم وطني جديد، وكلها من إنتاج شركتي «رافائيل» و«الصناعات الجوية الإسرائيلية» وفرعها «إلتا سيستمز».
كما تم توقيع اتفاق منفصل بقيمة 26 مليون يورو لإمداد اليونان بمنظومات مضادة للطائرات المسيّرة، من إنتاج شركة رافائيل أيضاً، وفق ما ذكرته الوزارة.
لماذا تسعى اليونان لتعزيز دفاعاتها الجوية الآن؟
باتت اليونان واحدة من خمس دول أوروبية أعضاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو) رفعت إنفاقها العسكري إلى ما لا يقل عن 3.5 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي، وذلك في ظل عقود من التوتر مع جارتها تركيا، وتغير البيئة الأمنية المحيطة بها.
ويرى المحللون أن دوافع أثينا لا ترتبط بتهديد واحد، بل بمجموعة من العوامل، أبرزها التهديدات الإقليمية ومنها إيران، إضافة إلى المكاسب السياسية الداخلية للحكومة اليونانية برئاسة كيرياكوس ميتسوتاكيس، عبر إظهار قدرتها على تعزيز الأمن القومي. كما أن تحسن الوضع الاقتصادي اليوناني أتاح استئناف شراء الأسلحة المتطورة بعد سنوات طويلة من القيود التي فرضتها الأزمة الاقتصادية.
كيف تنظر تركيا إلى هذا التعاون العسكري المتنامي؟
تصاعد التوتر بين إسرائيل وتركيا في الآونة الأخيرة، ولا سيما بعد قصف إسرائيلي استهدف قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال غرب سوريا في الثامن عشر من أغسطس 2026، بذريعة منع انتشار قوات تركية فيها، على الرغم من تضرر القاعدة خلال الحرب السورية وباتت خارج الخدمة منذ عام 2012.
ويتمثل مصدر القلق التركي، وفق أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأن اليوناني عارف العبيد، في طبيعة التعاون العسكري الإسرائيلي اليوناني المصاحب للصفقة، خصوصاً في مجالات التدريب والتشغيل ونقل الخبرات والتكنولوجيا. ومع إضافة «درع أخيل» إلى مقاتلات رافال الفرنسية وإف-35 الأمريكية، فإن أثينا لا تشتري سلاحاً منفرداً، بل تنفذ عملية تحديث نوعي لقواتها المسلحة، وهو ما قد يؤثر في الحسابات العسكرية التركية في بحر إيجه وشرق المتوسط.
ويعتبر العبيد أن المنظومة تحمل رسالة ردع لأنقرة، لكنها ليست موجهة إلى تركيا وحدها، بل تأتي ضمن استراتيجية يونانية لبناء دفاع جوي وصاروخي متعدد. كما أن زيارة رئيس جهاز الاستخبارات التركي إلى أثينا في أغسطس 2026 يمكن قراءتها في هذا السياق، في إطار القلق من تسارع التسلح والتعاون العسكري اليوناني الإسرائيلي، بالتزامن مع ملفات حساسة مثل قبرص وبحر إيجه.
ماذا يقول الخبراء عن تداعيات الصفقة على موازين القوى؟
يرى أستاذ العلوم السياسية بالجامعة العبرية في القدس، الدكتور مئير مصري، أن «الاتفاقية تحمل دلالات سياسية وعسكرية شديدة الحساسية في منطقة شرق البحر المتوسط، تبدأ بتغيير موازين القوى مع تركيا». ويضيف: «على الرغم من أن الاتفاقية تُصنف كخطوة دفاعية، إلا أن نشر هذه المنظومات المتطورة في تراقيا وبحر إيجه من شأنه أن يُغير بشكل ملموس ميزان القوى الجوي في المناطق المتنازع عليها بين اليونان وتركيا».
ويشير مصري إلى أن الصفقة وُصفت من قِبل القيادة الإسرائيلية في تصريحات رسمية بأنها «امتداد للتحالف الاستراتيجي الثلاثي (إسرائيل واليونان وقبرص) الذي بدأ قبل نحو عقد، والذي يركز على ملفات أمن الطاقة والحدود البحرية». كما تتخوف أثينا، وفق مصري، من تمدد خطر الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية في المنطقة، ولا سيما بعد تعرض منشآت قريبة في الإقليم لضربات خلال التصعيد الأخير، لذا سعت للاستفادة من الخبرة العملياتية الميدانية التي اكتسبتها إسرائيل في اعتراض هذا النوع من الأسلحة.
ويؤكد أن الصفقة بالنسبة لإسرائيل لا تمثل مجرد عائد مالي كبير، بل هي بوابة لترسيخ نفوذها الصناعي والعسكري داخل البيئة الدفاعية الأوروبية وحلف الناتو، مما يمنحها حلفاء استراتيجيين يدافعون عن مصالحها السياسية والأمنية في القارة.
هل نقف على أعتاب مواجهة تركية يونانية جديدة؟
يرى مدير أكاديمية اسطنبول للفكر، بكير أتاجان، أن تركيا «لا تنافس الآخرين بقدر ما تعمل على تثبيت موقعها، ولا تعطي ما يحدث عند جيرانها أهمية حاسمة ما لم يمس مصالحها المباشرة». ويشير إلى أن «المرحلة المقبلة قد تشهد تصعيداً في حرب الردع واستعراض القوة، أكثر من اتجاهها إلى مواجهة تركية إسرائيلية شاملة، مع بقاء سوريا وشرق المتوسط ساحتين رئيسيتين لاختبار النفوذ».
ويضيف أتاجان أن شرق المتوسط أصبح ساحة لاختبار النفوذ والردع، حيث لا تحتاج الدول بالضرورة إلى إطلاق النار لإرسال رسائل عسكرية. فالانتشار البحري، والمراقبة، والاقتراب، وإظهار القدرة على التحرك، كلها أدوات تستخدمها القوى الإقليمية لتثبيت خطوطها الحمراء.
وبحسب أتاجان، فإن حساسية المشهد تتضاعف مع الملف السوري، فإسرائيل تنظر إلى سوريا باعتبارها جزءاً أساسياً من منظومتها الأمنية، في حين ترى تركيا أن مستقبل سوريا يرتبط مباشرة بأمنها القومي وحدودها ومصالحها الاستراتيجية. ومن هنا، فإن توسع الحضور التركي في سوريا أو محيطها قد يدفع الطرفين إلى مزيد من اختبار الخطوط الحمراء، سواء في المجال الجوي أو البحري أو عبر النفوذ السياسي والأمني.
لكن أتاجان يحذر من قراءة السياسة التركية باعتبارها مجرد رد فعل على التحركات الإسرائيلية أو ما يجري في دول الجوار، فتركيا تتحرك بدرجة كبيرة وفق تصورها الخاص لمصالحها وموقعها كقوة إقليمية، وهي لا تمنح كل تطور يحدث حولها الأهمية نفسها، ولا تتعامل مع أزمات الجيران باعتبارها التزاماً بالتدخل المباشر، «بل تختار توقيت تدخلها وأدواته وفق حساباتها الخاصة».
رسالة استقرار أم شعلة توتر جديد؟
في المحصلة، تمثل «درع أخيل» جزءاً من تحول أوسع في القدرات الدفاعية اليونانية، وستضيف عاملاً جديداً إلى حسابات الردع والتوازن في بحر إيجه وشرق المتوسط، من دون أن تعني بالضرورة انتقال تركيا واليونان إلى مواجهة جديدة، بحسب المحللين. فالسؤال، كما يطرحه أتاجان، لم يعد فقط: من يملك القوة الأكبر؟ بل: من يستطيع إدارة قوته وفرض مصالحه من دون تحويل التنافس إلى مواجهة مباشرة؟
ويبقى الأمل معقوداً على حكمة القادة في المنطقة، وعلى تغليب لغة الحوار والدبلوماسية، حفاظاً على أمن واستقرار شعوب المنطقة، وصوناً للمصالح المشتركة التي تجمع دول الخليج والعالمين العربي والإسلامي، في ظل التحديات المتزايدة التي تتطلب وحدة الصف وتضافر الجهود، لا مزيداً من التوترات والصراعات التي لا تخدم سوى أعداء الأمة.