ألمانيا وإسبانيا تسجلان أرقاماً قياسية في الوفيات المرتبطة بموجات الحر
في تطور يلفت الأنظار إلى تداعيات التغيرات المناخية على القارة الأوروبية، أعلنت كل من ألمانيا وإسبانيا الخميس عن تسجيل أعداد قياسية من الوفيات جراء موجات الحر خلال الأسابيع الماضية، بعد صيف يُعد من الأشد حرارة على الإطلاق في المنطقة.
ففي ألمانيا، سجلت نحو 14 ألف حالة وفاة مرتبطة بالحر هذا الصيف، وفقاً لبيانات رسمية صادرة عن معهد روبرت كوخ، الهيئة الصحية الألمانية. وأوضح التقرير الأسبوعي للمعهد أن 9600 من هذه الحالات سُجلت خلال الأسبوع الممتد من 22 إلى 28 حزيران/يونيو، حين تجاوزت درجات الحرارة 41 درجة مئوية في بعض المناطق.
أما في إسبانيا، فقد أظهرت أرقام صادرة عن معهد كارلوس الثالث للصحة في مدريد تسجيل نحو 4500 حالة وفاة مرتبطة بالحر منذ الأول من حزيران/يونيو، فيما أفادت السلطات الصحية الفرنسية بتسجيل أكثر من 7300 حالة وفاة إضافية خلال الفترة نفسها.
لماذا تُعد الوفيات المرتبطة بالحر تحدياً إحصائياً؟
أشار تقرير معهد روبرت كوخ إلى أن الحر لا يُدرج عادة كسبب رئيسي للوفاة في شهادات الوفاة، بل تُستخدم الأساليب الإحصائية لتقدير حجم الوفيات المرتبطة بالحرارة. وأوضح التقرير أنه في بعض الحالات، كضربة الشمس، يؤدي التعرض للحرارة مباشرةً إلى الوفاة، بينما في معظم الحالات تنتج الوفاة عن مزيج من التعرض للحرارة وحالات طبية سابقة.
وقد بلغ الرقم القياسي السابق للوفيات المرتبطة بالحر في ألمانيا 8900 حالة عام 2018، فيما قدّر تقرير منفصل صادر عن إحدى المجلات الطبية عدد الوفيات الناجمة عن الحر بـ 10000 حالة في عام 1994. وأشار التقرير إلى أن هذه الأرقام انخفضت في بعض السنوات إلى أقل من 2000 حالة، وهو ما يُعزى إلى تفاوت شدة موجات الحر.
كيف أثرت موجات الحر على الاقتصاد والبنية التحتية الألمانية؟
ألحقت موجة الحر والجفاف هذا الصيف أضراراً بالغة بأكبر اقتصاد في أوروبا، حيث ساهمت في تفاقم حرائق الغابات، وتراجع غلة المحاصيل، وانخفاض منسوب المياه في الأنهر الرئيسية المستخدمة في نقل البضائع.
وفي هذا السياق، صرّح وزراء من الحزب الاشتراكي الديموقراطي، الشريك الأصغر في الائتلاف الحاكم مع حزب المستشار فريدريش ميرتس المحافظ، بأن على برلين أن تُكرّس ضرورة التكيف مع تغير المناخ وحماية الطبيعة في الدستور الألماني. وقال وزير البيئة كارستن شنايدر إن أزمة المناخ باتت واقعاً ملموساً، لكن القانون الحالي يُقيّد صلاحيات وزارته في الاستجابة لها، بما في ذلك تقديم المساعدة للولايات والحكومات المحلية.
ودعت مجموعة الوزراء إلى إدخال تعديلات على تشريعات التخطيط العمراني وقوانين البناء، بالإضافة إلى سنّ قوانين عمل جديدة تُراعي مسألة العمل في درجات الحرارة المرتفعة.
ما هي التحديات التي تواجه المستشفيات ودور رعاية المسنين؟
أيد وزير الصحة السابق كارل لاوترباخ هذا التوجه الخميس، مشيراً إلى أن البلديات بحاجة إلى دعم مالي للتكيف مع تغير المناخ. وقال لصحيفة راينيشه بوست اليومية: الحماية الفعّالة من الحرارة مُكلفة جداً، فالعديد من البلديات مُثقلة بالديون، ولا تستطيع ببساطة تمويل التدابير اللازمة بمفردها.
وأوضح لاوترباخ، الحاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الطبية، أن العدد الحقيقي للوفيات الناجمة عن الحرارة هذا العام قد يكون أعلى مما تشير إليه الإحصاءات، مشيراً إلى أن معهد روبرت كوخ يعتمد منهجية متحفظة نسبياً، ما يعني أن عدد الوفيات المرتبطة بالحرارة يُرجح أن يكون أقل من الواقع.
وأضاف: نادراً ما يموت الناس بسبب ضربة شمس تقليدية خلال الطقس الحار، إذ تحدث معظم الوفيات نتيجة لحالات مرضية أخرى. فعلى سبيل المثال، يمكن للإجهاد الحراري الشديد أن يسهم في حدوث سكتة دماغية لدى شخص يعاني أصلاً من الرجفان الأذيني. ومن الناحية الرسمية، قد يُعزى سبب الوفاة إلى السكتة الدماغية، لكن لولا التعرض للحرارة، ربما لم تكن السكتة لتحدث.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، أكدت الرابطة الألمانية للمدن والبلديات على ضرورة تخصيص المليارات لمساعدة المستشفيات ودور رعاية المسنين، التي غالباً ما تفتقر إلى أجهزة التكييف، على التكيف مع درجات الحرارة المرتفعة.
موجات حرّ أطول وأكثر تكراراً في إسبانيا
في إسبانيا، بلغ إجمالي الوفيات الناجمة عن الحر 4458 حالة منذ الأول من حزيران/يونيو من العام الحالي، وفق ما أظهرت بيانات نشرها معهد كارلوس الثالث للصحة في مدريد. وبالمقارنة، بلغ عدد الوفيات المنسوبة إلى الحر خلال الفترة نفسها من السنة 3073 حالة العام الماضي، و1890 وفاة في العام 2024، فيما سُجلت حصيلة مماثلة عام 2022 مع تقدير عدد الوفيات حينها بنحو 4520.
وكان تموز/يوليو 2026 الشهر الأكثر حراً على الإطلاق في إسبانيا، مسجلاً درجات حرارة مماثلة لما شهده الشهر عينه من العام 2022، بحسب الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية. كما شهد تموز/يوليو حرائق غابات غير مسبوقة في إسبانيا، وكان الأكثر جفافاً منذ بدء تسجيل البيانات عام 1961.
وتُعد إسبانيا من أبرز الدول المتأثرة بالاحترار المناخي، حيث شهدت خلال السنوات الأخيرة موجات حرّ باتت أطول وأكثر تكراراً، إذ تجاوزت الحرارة فيها 40 درجة مئوية.
هل يمكن الحد من تداعيات موجات الحر في المستقبل؟
مع استمرار التغيرات المناخية وتزايد حدة موجات الحر، تبرز الحاجة الملحة إلى تبني استراتيجيات فعالة للتكيف، خاصة في القطاعات الأكثر تأثراً مثل الصحة والبنية التحتية. ويؤكد الخبراء أن الاستثمار في أنظمة التبريد للمستشفيات ودور الرعاية، وتحديث قوانين العمل، وتعديل خطط التخطيط العمراني، كلها خطوات ضرورية للحد من الخسائر البشرية والاقتصادية الناجمة عن هذه الظواهر.
ويبقى السؤال مطروحاً حول مدى استعداد الدول الأوروبية، وغيرها من دول العالم، لمواجهة التحديات المتزايدة التي يفرضها تغير المناخ، في وقت تتفاقم فيه هذه الظواهر بشكل غير مسبوق.