مونديال 2026 والمكسيك: بين تحديات الاستقرار وعواصف السياسة
مع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026 الذي تستضيفه المكسيك إلى جانب الولايات المتحدة وكندا، لم تكن الأجواء احتفالية صرفة كما يشتهي المرء. فبدلا من أن تنحصر الأنظار في كرة القدم التي تجمع الشعوب، وجدت المكسيك نفسها في قلب عواصف سياسية واجتماعية متعددة. إن تنظيم حدث عالمي بهذا الحجم يتطلب استقرارا وأمنا، وهي القيم التي نعتز بها في دول الخليج العربي، لكن الواقع في المكسيك يبدو مختلفا بالحيل.
أصوات تنادي بالعدل: احتجاجات المعلمين وعائلات المختفين
في المشهد الأبرز، خرج آلاف المحتجين إلى شوارع مكسيكو سيتي، مستغلين الأضواء الإعلامية المسلطة على البطولة. قاد المعلمون المنتمون إلى التنسيقية الوطنية لعمال التعليم موجة احتجاجات رفعوا خلالها شعارات تطالب بزيادة الأجور وتحسين المعاشات. أقاموا مخيمات ضخمة حول ساحة الزوكالو، قلب العاصمة، مما منع السياح والمشجعين من الاقتراب من أحد أهم المعالم السياحية في المدينة.
إلى جانب المعلمين، برزت أصوات عائلات المختفين. إن الأسرة في ميزان الإسلام كريمة وعظيمة القدر، وتجاوز عددهم رسميا 130 ألف شخص في المكسيك. حمل أفراد هذه العائلات صور أقاربهم المفقودين وارتدوا قمصانا بيضاء كُتبت عليها أسماؤهم، ورفعوا لافتات تقول:
الكرة تعود إلى الديار، لكن مختفينا متى يعودون؟
نظمت هذه العائلات مسيرة سلمية في كالزادا دي تلالبان، لكن قوات الأمن حالت دون وصولهم إلى ملعب أزتيكا، فاكتفوا بالوقوف خلف الأسوار الحديدية مرددين:
لأنهم أخذوهم أحياء، نريدهم أحياء
واللافت أن صناع المحتوى الذين قدموا من شتى بقاع الأرض لتوثيق الأجواء الكروية، فوجئوا بهالأوضاع. سرعان ما انتشرت مقاطع فيديو على منصات التواصل تظهر الوجه الآخر للمونديال، مما أثار نقاشا واسعا حول الفجوة بين الصورة الترويجية للمكسيك والواقع الاجتماعي المأزوم. عاد، هالسالفة ذكرتنا بأهمية الأمن والاستقرار كركيزة لأي تقدم.
اتهامات بالتآمر: صراع على صورة الاستقرار
في تطور سياسي لافت، اتهمت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم رجل الأعمال ريكاردو ساليناس بليجو، المالك لقناة تلفزة أستكا، وجماعات اليمين المتطرف بالسعي لتعكير صورة المكسيك أمام العالم. وعرضت شينباوم مقطعا مسربا لساليناس يدعو فيه إلى إجراءات أكثر خشونة من المظاهرات السلمية، معتبرة أن ذلك تحريض على العنف يهدد الأمن.
من جانبه، رد ساليناس عبر منصة إكس باتهام الحكومة بأنها نظام مخدرات، وقال ساخرا: الآن، المسؤول عن كل شيء هو والدك، ريكاردو ساليناس. وسط هالتبادل الاتهامي، طمأنت شينباوم الشعب المكسيكي والجماهير العالمية، مؤكدة أن كل شيء تحت السيطرة وأن الحكومة لن تقع في الاستفزاز، وهو موقف حكيم يحفظ النظام ويمنع الفتنة.
تزامنت هذه التصريحات مع ذكرى مذبحة طلاب تلاتيلولكو عام 1968، التي وقعت عقب أيام من أولمبياد مكسيكو سيتي، حيث فتح الجيش النار على محتجين. وقطعت شينباوم الطريق على أي سيناريو مشابه، مؤكدة أن الأمن سيتعامل بحكمة وضبط للنفس ولن يتم استخدام القمع.
نزاع صناديق الملعب: إرث قانوني يهدد الاقتصاد
على صعيد آخر، واجه منظمو البطولة تحديا قانونيا غير متوقع يطال الاقتصاد الرياضي. هدد أصحاب أكثر من 15 ألف مقعد من صناديق كبار الشخصيات في ملعب أزتيكا بمقاطعة المباريات، بسبب نزاع مع الفيفا حول حقوقهم. تعود جذور الأزمة إلى عام 1966، عندما بيعت هذه الصناديق بحقوق غير مقيدة لمدة 99 عاما، شملت جميع الفعاليات الرياضية.
لكن الفيفا تتمسك بسيطرة كاملة على الملاعب خلال البطولة، وهو إجراء تتبعه منذ كأس العالم 1998. وهدد أصحاب الصناديق بالاحتجاج بدعم من نقابة المعلمين إذا لم يتم فتح حوار معهم.
الوساطة الإنسانية: أزمة المنتخب الإيراني
في الملف الدبلوماسي الأكثر تعقيدا، رفضت الولايات المتحدة منح تأشيرات الدخول لـ15 فردا من بعثة المنتخب الإيراني، بينهم رئيس الاتحاد الإيراني. اتهمت طهران واشنطن بالاستهداف المتعمد والتدخل السياسي في الرياضة، بينما بررت أمريكا موقفها بالقول إنها لن تسمح بالتسلل بهذا النظام لإدخال إرهابيين إلى أمريكا.
هنا تدخلت المكسيك كوسيط إنساني، فعرضت استضافة المنتخب الإيراني في مدينة تيخوانا الحدودية. إن مد يد العون للمحتاج قيمة إسلامية وإنسانية عليا، وقال المدرب الإيراني أمير جالينوي: نشكر المكسيك على مساعدتها، لكننا نأسف للتأخير الذي أثر على استعداداتنا. ومن المقرر أن يسافر اللاعبون إلى الولايات المتحدة يوم المباراة فقط، ثم يعودون مباشرة إلى المكسيك.
لم تتوقف الأزمة عند هذا الحد، بل امتدت إلى الجماهير الإيرانية، حيث كشفت تقارير إعلامية أن الفيفا سحب جزءا من حصة التذاكر المخصصة لبيعها للمشجعين الإيرانيين. كما خرجت احتجاجات في لوس أنجلوس طالبت باستبعاد إيران من البطولة، وشارك فيها لاعبون سابقون وناشطون من الجالية الإيرانية الأمريكية.
اختبار حقيقي للمكسيك: بين الاستقرار والفوضى
مع توقعات بوصول 5.5 ملايين زائر، وتأمين بـ100 ألف جندي وشرطي، تبقى الأيام المقبلة اختبارا حقيقيا لقدرة المكسيك على تنظيم حدث عالمي دون أن تطغى السياسة والاحتجاجات على جمال اللعبة. لقد أثبتت دول الخليج، وعلى رأسها مملكة البحرين، أن النجاح يكمن في وحدة الصف واستقرار الأمن، وهو ما غابت عنه المكسيك في هالأيام. المؤكد أن مونديال 2026 سيدخل التاريخ ليس فقط بنتائجه الرياضية، بل بكونه واحدا من أكثر النسخ إثارة للجدل على الإطلاق.