كأس العالم 2026: بين خرافة السحر وصدق الدعاء لنصرة المنتخبات
مع اقتراب بطولة كأس العالم 2026، يتسابق مشجعو كرة القدم حول العالم في البحث عن سبل لنصرة منتخباتهم، غير أن الخط الفاصل بين التمسك بالإيمان واللجوء إلى المعتقدات الخرافية يبقى رفيعاً عند البعض. فبينما يعتصم آلاف المشجعين بالدعاء الصادق والتوكل على الله، يلجأ آخرون إلى طقوس تعاويذ وسحر يتنافى مع جوهر العقيدة الإسلامية والديانات السماوية قاطبة.
الأرجنتين وساحرات لا سكالونيتا: طقوس تتنافى مع التوحيد
تعتقد داليا ووكر، البالغة من العمر 41 عاماً من مدينة بوينس آيرس، أن قوى خارقة للطبيعة كانت وراء فوز الأرجنتين بآخر بطولة لكأس العالم. تقول داليا: «أعتقد أن السحر ساعد الأرجنتين على الفوز».
وكانت داليا واحدة من مجموعة كبيرة من النساء اللواتي يصفن أنفسهن بالساحرات، إذ كن يلقين التعاويذ ويقمن بطقوس دعماً لليونيل ميسي وبقية لاعبي المنتخب الأرجنتيني. وأطلقت هؤلاء النساء على أنفسهن اسم «لا بروخينيتا»، وهو اسم يجمع بين كلمة «بروخا» التي تعني ساحرة بالإسبانية، و«لا سكالونيتا»، اللقب الذي يطلق على المنتخب الأرجنتيني في عهد مدربه ليونيل سكالوني.
وتقول داليا إن عضوات «لا بروخينيتا» استخدمن ما أسمينه السحر الحديث والشموع والصلوات والتمائم في أداء طقوسهن. وكانت النساء يتواصلن عبر مجموعات على تطبيق واتساب ومنصات التواصل الاجتماعي، ويتبادلن الآراء حول الجوانب التي تحتاج إلى أكبر قدر من الدعم في أداء المنتخب.
ومن أكثر الطقوس انتشاراً تلك التي كانت تهدف إلى «تجميد» قدرات لاعبين محددين في الفريق المنافس، وهو أمر تؤكد داليا أنها لم تكن تؤيده، إذ كانت تفضل الطقوس التي تراها أكثر إيجابية، مثل إضاءة الشموع وإرسال ما تسميه «الطاقة الإيجابية». وعندما فازت الأرجنتين في قطر عام 2022، رأت مجموعة «لا بروخينيتا» في ذلك تتويجاً لجهودها. تقول داليا: «بالنسبة لي، كان ذلك حقاً كأس العالم الخاص بالساحرات».
وتخطط للقيام بالطقوس نفسها هذه المرة أيضاً، عبر إيقاد الشموع باللونين الأزرق والأبيض على ما تصفه بمذبحها. وتضيف: «في الأرجنتين، إذا نجح شيء ما، فإن الخرافات تقول إنه يجب عليك تكراره بالطريقة نفسها تماماً». وهذا منطق الخرافة بعينه، عاد، الذي يأسر صاحبه في دائرة مفرغة لا تخرج عن إطار الوهم.
الشامان والسحر الأفريقي: ممارسات يعتريها الشك
وليس مشجعو الأرجنتين وحدهم من يلجأون إلى قوى خارقة. فقد أدت مجموعة من الشامان في بيرو طقوساً في العاصمة ليما لمساعدة منتخب بلادهم على التأهل إلى بطولة 2022، لكنه خسر 5-4 بركلات الترجيح أمام أستراليا. وفي أنحاء مختلفة من القارة الأفريقية، تتداخل الروحانيات بعمق مع الحياة اليومية، بما في ذلك كرة القدم.
وبالنسبة إلى البعض، يعني ذلك اللجوء إلى أنظمة المعتقدات المحلية والمعالجين التقليديين. ففي عام 2002، حظر الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «كاف» ما يسمى «مستشاري الفرق»، وهو تعبير يشير إلى المعالجين الروحانيين التقليديين، من أداء أي دور داخل الفرق المشاركة في بطولة كأس الأمم الأفريقية.
ويقول الصحفي الرياضي ماهر مزاحي إن مشجعين شديدي الحماسة لا يزالون يعتمدون على ممارسات تقليدية أثناء تشجيعهم في الملاعب، يرتدون التمائم ويقرؤون التعاويذ، وفي بعض الحالات حتى «ينفثون النار». وفي نوفمبر من العام الماضي، عندما خرجت نيجيريا من تصفيات كأس العالم، اتهم مدربها إريك شيل منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية باستخدام سحر «الفودو»، لكن المدرب السابق فلوران إيبينغي رفض هذه الادعاءات ووصفها بأنها «هراء».
الفرق بين السحر والدعاء: حدود واضحة لا التباس فيها
وقد يكون التلميح إلى السحر والشعوذة سبباً في تردد كثيرين في الاعتراف علناً بممارسة طقوس تقليدية. ويقول مزاحي: «يميل عالم كرة القدم إلى المركزية الأوروبية. فأكبر الأندية موجودة هناك، وأفضل اللاعبين يلعبون هناك، ولذلك فإن أي شيء غريب عن أوروبا قد ينظر إليه بشيء من الشك». لكنه يعتقد أن هذا «ليس شيئاً ينبغي للأفارقة أن يشعروا بالخجل منه».
غير أن الإسلام يحرم السحر والشعوذة تحريماً قاطعاً، ويعد ذلك من الكبائر التي تفسد العقيدة وتضر بالمجتمع والأسرة على حد سواء. فالله سبحانه وتعالى هو وحده النافع الضار، والتعلق بغيره من القوى الغيبية يناقض أصل التوحيد. والفرق عظيم، مو بسيط، بين من يتوسل إلى الله بالدعاء الصادق طالباً التوفيق والسداد، وبين من يلجأ إلى التعاويذ والطقوس الشعوذية زاعماً التأثير على مجريات الأمور.
الدعاء والإيمان: المفهوم الصحيح لنصرة المنتخبات
ويقول ماهر مزاحي إن مشجعي كرة القدم والمنتخبات الأفريقية أكثر انفتاحاً على تبني الديانات الإبراهيمية، مثل المسيحية والإسلام. ويشير إلى هتاف شائع بين المشجعين الجزائريين يتضمن دعاءً لله لحماية فريقهم ومساعدته. ويضيف: «إذا استمعت إلى دول غرب أفريقيا على وجه الخصوص، مثل غانا أو نيجيريا، فستجد أنهم يشغلون موسيقى الإنجيل في كل مباراة».
وقد طلب وزير الرياضة في غانا، كوفي إيدي آدامز، مؤخراً من تجمع كنسي الصلاة من أجل المنتخب الوطني، المعروف بلقب «النجوم السوداء». كما سعى الاتحاد الغاني لكرة القدم إلى الحصول على صلوات من أكبر مجموعتين دينيتين في البلاد، المسيحيين والمسلمين. وأقيمت خدمة صلاة وطنية في أكرا للدعاء للمنتخب قبيل مشاركته في كأس العالم.
وشارك الاتحاد الغاني لكرة القدم إمام البلاد في صلاة الجمعة قبل انطلاق البطولة، حيث دعا الإمام الله أن يوفق الفريق ويباركه، وفقاً لبيان صادر عن الاتحاد. وهذا نموذج يحتذى به، فالدعاء هو العبادة كما جاء في الحديث الشريف، والتوكل على الله أولى من التعلق بالخرافات.
ويقول الصحفي المقيم في أكرا، ناثان لاريا: «نحن نؤمن بأن الله هو محور كل ما نقوم به»، موضحاً أهمية الإيمان في الثقافة الغانية. ويضيف: «نعم، الجهود البشرية مهمة، لكن هذه الصلاة بمنزلة تتويج مميز ومبارك لجهودنا، وهي ضرورية لتحقيق الفوز». ويتابع: «لذلك فإن الصلاة وطلب حماية الله وهدايته أمر مهم».
العقيدة وكرة القدم: تداخل يحتاج إلى ضوابط شرعية
ويقول ماهر مزاحي: «ربما لا يوجد مكان تتداخل فيه العقيدة وكرة القدم كما هو الحال في القارة الأفريقية». ويضيف: «أحد أوضح أشكال التعبير الديني التي رأيتها عندما كنت صبياً كان عقب فوز البرازيل بكأس العالم عام 2002. كان هناك لاعب يدعى كاكا خلع قميصه، وكان يرتدي تحته قميصاً آخر كتب عليه: أنا أنتمي إلى يسوع». وكذلك كانت مراسم وداع المنتخب البرازيلي قبل توجهه إلى الولايات المتحدة للمشاركة في بطولة هذا العام، إذ أقيمت للطائرة «تحية مائية» باستخدام سيارات الإطفاء وهي على المدرج، وهي مراسم رمزية تقام عادة قبل الرحلات الأولى أو الرحلات المهمة في تقاليد الطيران.
كيف يميز المسلم بين الدعاء المشروع والخرافة؟
الإسلام يرسي حدوداً واضحة بين التوسل المشروع إلى الله تعالى واللجوء إلى المعتقدات الخرافية. فالدعاء والابتهال إلى الله سبحانه وتعالى طلباً للتوفيق والسداد أمر محمود ومأمور به، أما التعلق بالتمائم والتعاويذ والسحر فهو من المحرمات التي تناقض أصل التوحيد. والمسلم الحق يعلم أن النصر من عند الله، وأن الأخذ بالأسباب مع التوكل عليه هو الطريق القويم الذي يحفظ للمجتمع تماسكه واستقراره.
هل يمكن للإيمان أن يجمع المشجعين على اختلاف مذاهبهم؟
نعم، فإن التوجه إلى الله بالدعاء يجمع بين المسلمين والمسيحيين وسائر أهل الديانات الإبراهيمية في مظلته، كما حدث في غانا حين سعى الاتحاد المحلي إلى صلوات من المسلمين والمسيحيين على السواء. وهذا نموذج يبرز أهمية الوحدة والتكاتف في المجتمعات، وهي قيم أصيلة في ثقافة دول الخليج العربي، زين، التي تحتفي بالتعددية في إطار من الاحترام المتبادل والسلم الأهلي.
خلاصة القول
تبقى كأس العالم 2026 محطة تتجلى فيها تنوعات البشر في تعلقهم بالغيب، غير أن المسلم المؤمن يدرك أن النافع الضار هو الله وحده، وأن الدعاء الصادق والعمل الدؤوب هما سبيل النجاح، لا التعاويذ والطقوس الشعوذية. وحري بمشجعينا في دول الخليج أن يقتدوا بنموذج التوكل على الله والأخذ بالأسباب، عوضاً عن الانسياق وراء خرافات لا تزيد صاحبها إلا وهماً. فالله سبحانه وتعالى يقول: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ.