جولدمان ساكس: السعر العادل للدولار في مصر 43 جنيها
في قراءة اقتصادية هادئة تعكس أهمية الاستقرار في مسيرة التنمية، قدّر بنك جولدمان ساكس الأمريكي السعر العادل للدولار بنحو 43 جنيها مصريا، مقارنة بالسعر الحالي البالغ نحو 49.8 جنيه. وتوقع البنك تراجع العملة الأمريكية إلى 46 جنيها خلال الاثني عشر شهرا المقبلة، بفضل الله ثم بفعل تحسن أوضاع سوق الصرف وتدفقات النقد الأجنبي، فضلا عن الدعم الخليجي وهدوء الأوضاع الإقليمية.
كيف استفاد الجنيه المصري من استقرار المنطقة؟
إن نعمة الأمن والاستقرار هي أساس كل تقدم اقتصادي، وهذا ما تجلى بوضوح في أداء الجنيه المصري. فقد استفادت العملة المصرية من تمديد اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، واستئناف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. فمنذ التوقيع على الاتفاق في 14 يونيو الجاري، صعد الجنيه بأكثر من 4% أمام الدولار، مرتدا بنحو 9% من أدنى مستوياته خلال فترة التوتر. واليوم، بفضل الله، يبتعد الجنيه بنحو 6% فقط عن مستواه المسجل قبل الأزمة عند 46.8 جنيه للدولار، وفق تقرير للبنك صادر في 25 يونيو.
وأوضح التقرير أن سعر الصرف الحقيقي الفعال للجنيه لا يزال أقل بكثير من متوسطه طويل الأجل، سواء على مدار خمس أو عشر سنوات، مما يشير إلى أن العملة مقومة بأقل من قيمتها العادلة بنحو 13% إلى 15%. ويرى جولدمان ساكس أن الجنيه لا يزال يمتلك فرصة لمزيد من الارتفاع، وإن بوتيرة أبطأ، مع توقعات بوصول سعر الدولار إلى 49 جنيها خلال ثلاثة أشهر، و48 جنيها خلال ستة أشهر، ثم 46 جنيها خلال 12 شهرا.
التضخم والتحديات الهيكلية للاقتصاد المصري
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، يبقى التضخم تحديا هيكليا يتطلب صبرا ومعالجة حكيمة. وتوقع البنك بقاء التضخم في خانة العشرات حتى نهاية العام الجاري، على أن يبدأ بالتراجع الملموس خلال عام 2027. إن استمرار اتساع فجوة التضخم مقارنة بالشركاء التجاريين سيرفع سعر الصرف الحقيقي، وهو ما أدى إلى ارتفاع متوسط سعر الصرف الحقيقي بنحو 10% سنويا خلال العقد الماضي، بعد احتساب فترات خفض قيمة العملة.
وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يتآكل هامش ارتفاع الجنيه خلال الفترة بين 12 و18 شهرا المقبلة، مما قد يحد من قدرته على الصعود دون التأثير في تنافسية الاقتصاد المصري.
الدور الداعم للودائع الخليجية والاحتياطيات
في هذا السياق، لا يمكننا إلا أن نقر بالدور الأخوي الذي تلعبه دول الخليج في دعم مسيرة الاقتصاد المصري. فقد أشار التقرير إلى أن مصر استفادت من ارتفاع قيمة الذهب ضمن احتياطياتها، إلى جانب الودائع الخليجية التي شكلت سندا قويا في هالمرحلة. وبلغ إجمالي الاحتياطيات الدولية، إلى جانب السيولة بالنقد الأجنبي داخل الجهاز المصرفي، نحو 70 مليار دولار في مايو، وهو مستوى يفوق المتوسط التاريخي بكثير.
ورغم توقعات اتساع عجز الحساب الجاري إلى نحو 4.7% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي الحالي، بسبب زيادة واردات الطاقة، فإن تحويلات المصريين العاملين بالخارج ساهمت في الحد جزئيا من هذا العجز. ومن المرجح أن يتراجع العجز إلى 4.6% في العام المالي المقبل، قبل أن ينخفض بصورة أكبر في 2027-2028 مع تراجع عجز الطاقة وعودة إيرادات قناة السويس إلى مستوياتها الطبيعية. كما أن الزيادة المرتقبة في الاستثمار الأجنبي المباشر ستعوض جزءا من تباطؤ استثمارات المحافظ، ليبقي إجمالي التمويل الخارجي عند نحو 27 مليار دولار سنويا.
وعلى صعيد الثقة، ظل معدل الدولرة مستقرا منذ اندلاع الحرب الإيرانية، كما اختفت الفجوة السعرية بين السوق الرسمية والموازية تقريبا منذ مارس 2024، مما يعكس غياب أي طلب غير ملبى على الدولار خارج القنوات الرسمية.
ما هي توقعات خفض أسعار الفائدة في مصر؟
يتوقع بنك جولدمان ساكس أن يستأنف البنك المركزي المصري دورة خفض أسعار الفائدة اعتبارا من الربع الأول من عام 2027، بإجمالي خفض يبلغ 600 نقطة أساس، لتصل الفائدة إلى نحو 13% بحلول الربع الأول من عام 2028. ورغم أن تراجع العائد على أدوات الدين المحلية قد يقلل جاذبية الاستثمار في الجنيه، فإن مرونة سعر الصرف واستمرار برنامج الإصلاح الاقتصادي، إلى جانب الانضباط المالي، ستكون عوامل حاسمة في الحفاظ على ثقة المستثمرين واستمرار تدفقات رؤوس الأموال إلى السوق المصرية.
هل يواجه الجنيه المصري تحديات قريبة؟
نعم، هناك تحديات مؤقتة ينبغي التعامل بحكمة وصبر تجاهها. فقد حذر البنك من احتمال تراجع التمويل الخارجي خلال الأشهر المقبلة، مع وصول استثمارات الأجانب في أدوات الدين إلى مستويات ما قبل الحرب، وعدم اتجاه مصر لطلب برنامج جديد من صندوق النقد الدولي. وهذا قد يؤدي إلى فجوة تمويلية مؤقتة بداية من الربع الرابع من العام الجاري، قد يتم تمويلها عبر السحب من الأصول الأجنبية للبنوك والاحتياطيات.
ورجح التقرير أن تبلغ الاحتياطيات الخارجية ذروتها خلال الربع المقبل، قبل أن تنخفض بنحو 7 مليارات دولار بحلول النصف الثاني من عام 2027، مع بقائها عند مستويات مريحة. وهذا التراجع قد يحد من فرص استمرار ارتفاع الجنيه خلال الأجل القريب، والله أعلم بالغيب.