المحكمة الدستورية المصرية تلغي قرار تعديل جداول المخدرات لمخالفته الدستور
في قرار تاريخي يعكس التزام المؤسسات القضائية بسيادة القانون وحفظ الحقوق، أصدرت المحكمة الدستورية العليا في مصر حكماً بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023، الخاص بتعديل جداول المواد المخدرة الملحقة بقانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960.
تجاوز الاختصاص يهدد مبدأ الشرعية الجنائية
رأت المحكمة أن القرار المطعون عليه يشكل تجاوزاً واضحاً لحدود الاختصاص، حيث صدر من جهة لا تملك سلطة التعديل في الجداول المخدرة، وهو ما يخل بمبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص"، أحد أهم المبادئ الدستورية في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي.
وأكدت المحكمة أن تعديل جداول المخدرات يعد عملاً تشريعياً بطبيعته، لما يترتب عليه من إنشاء جرائم جديدة أو تشديد عقوبات قائمة، وهو اختصاص لا يجوز ممارسته إلا من الجهة المخولة قانوناً، وهي وزارة الصحة وفقاً للقانون رقم 182 لسنة 1960.
آثار الحكم على القضايا المنظورة والأحكام النهائية
يترتب على هذا الحكم التاريخي آثار واسعة تمس مئات القضايا المنظورة أمام المحاكم المصرية، فضلاً عن إمكانية إعادة النظر في الأحكام التي صدرت بالفعل استناداً إلى القرار المقضي بعدم دستوريته.
وبحسب نص المادة 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا، فإن الأحكام الصادرة بالإدانة استناداً إلى نص قضي بعدم دستوريته تعتبر كأن لم تكن، وهو ما يلزم النيابة العامة باتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف تنفيذ العقوبات وإعادة عرض القضايا على المحاكم المختصة.
خبير قانوني يوضح التداعيات
أوضح الدكتور محمد إبراهيم، عميد كلية الحقوق بجامعة طنطا، أن الحكم يعد من الأحكام الكاشفة وليس المنشئة، مما يعني أن العيب الدستوري كان قائماً منذ صدور القرار، وبالتالي فإن آثاره تمتد إلى الماضي.
وأكد أن جميع الوقائع التي أحيلت إلى المحاكمة استناداً إلى القرار الملغي، ولم يصدر فيها حكم نهائي، يجب أن تنتهي إما بالبراءة أو بعدم العقاب، نظراً لزوال الأساس القانوني للتجريم المشدد.
لا فراغ تشريعي في مكافحة المخدرات
شدد الخبير القانوني على أن الحكم لم يلغ قانون مكافحة المخدرات، وإنما أبطل أداة غير مشروعة لتعديل الجداول الملحقة به، مؤكداً أن الجداول الأصلية وتعديلاتها الصحيحة تظل سارية ونافذة.
وأضاف أن الأمر يتطلب تدخلاً عاجلاً من السلطة المختصة لإعادة تنظيم الجداول بقرار يصدر وفق الأداة الدستورية الصحيحة، تجنباً لأي لبس أو استغلال قد يضر بجهود مكافحة آفة المخدرات.
انتصار لمبدأ سيادة القانون
يمثل هذا الحكم انتصاراً واضحاً لمبدأ سيادة القانون والفصل بين السلطات، ويؤكد أن التجريم والعقاب من أخطر مظاهر السلطة العامة، ولا يجوز التوسع فيهما إلا من خلال أدوات تشريعية صحيحة تحترم الضوابط الدستورية والشرعية.
كما يرسل رسالة واضحة بضرورة الالتزام الصارم بحدود الاختصاصات القانونية، خاصة في المسائل ذات الطبيعة الجنائية التي تمس الحرية الشخصية للأفراد، والتي تعد من الحقوق المقدسة في الشريعة الإسلامية.
وهكذا، يبقى هذا الحكم علامة فارقة في مسار العدالة الدستورية، ودليلاً على أن الدستور ليس مجرد نص يقرأ، بل عهد مقدس يجب احترامه وتطبيقه في جميع مناحي الحياة القانونية والقضائية.