تونس ترفع أسعار الأدوية: أزمة صحية تهدد استقرار المجتمع
في خطوة أثارت قلقا واسعا في الأوساط الطبية والاجتماعية، أقرت الصيدلية المركزية التونسية في يوليو الماضي مراجعة شاملة لأسعار مئات الأدوية المستوردة، خاصة تلك الموجهة للأمراض المزمنة. هذا القرار، الذي يأتي في ظل أزمة مالية خانقة، يعكس تحولا هيكليا عميقا في السياسة الصحية التونسية، ويفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل الأمن الصحي في البلاد.
ما أسباب هذه الزيادة الحادة في أسعار الأدوية؟
تعود جذور الأزمة إلى تراكم الاختلالات الهيكلية في المالية العمومية التونسية، والتي بدأت مع إقرار قانون استقلالية البنك المركزي في عام 2016. منذ ذلك الحين، انزلق الدينار التونسي بشكل متواصل أمام العملات الأجنبية، مما أدى إلى تضخم كلفة توريد الأدوية. ففي عام 2016، كانت تكلفة شراء أدوية بقيمة 1158 دولارا تبلغ حوالي 2200 دينار، أما اليوم فقد تجاوزت 3400 دينار، مما يعني أن الدينار فقد أكثر من 50% من قيمته الشرائية.
هذا الفارق الشاسع في كلفة الصرف، الذي ظلت الصيدلية المركزية تمتصه لسنوات، قررت السلطات التخلص منه دفعة واحدة، وتمريره بشكل قسري إلى جيب المريض التونسي. وبذلك، أصبح المواطن يدفع ثمن تهاوي عملته المحلية من صحته.
كيف تؤثر هذه الزيادات على المرضى؟
تكتسي هذه الزيادات خطورة مضاعفة بالنظر إلى الخارطة الوبائية في تونس. فنسبة انتشار السكري تبلغ 16% من البالغين (نحو 1.4 مليون شخص)، بينما يصيب القصور القلبي المزمن 10% من الذين تتجاوز أعمارهم 65 سنة. كما أن حوالي 12% من المسنين مصابون بالخرف. إن تخلي الدولة عن دعم هذه الأصناف يعني عمليا رفع الغطاء المالي عن الملايين، وترك الطبقة المتوسطة والضعيفة، وأساسا المتقاعدين، في مواجهة مفتوحة مع كلفة التوريد وجشع السلسلة التجارية.
فالمريض اليوم لا يتحمل كلفة انزلاق الدينار فحسب، بل يجبر على دفع فاتورة هوامش التوزيع بأكملها، حيث تكشف الأرقام عن فجوة سعرية بين سعر الجملة وسعر البيع للعموم تضيف في المتوسط نحو 47% كعائدات للوسطاء.
ما هي تداعيات هذه الأزمة على النظام الصحي؟
لا تمثل أزمة الصيدلية المركزية حالة معزولة، بل هي التجلي الأبرز لأزمة الديون المتقاطعة بين هياكل الدولة. فالصناديق الاجتماعية تعاني عجزا هيكليا مزمنا يمنعها من تحويل مستحقات الصندوق الوطني للتأمين على المرض، مما يؤدي إلى تراكم ديون المستشفيات والصيدلية المركزية. وتشير البيانات الرسمية إلى أن مستحقات الصيدلية لدى الهياكل العمومية تتجاوز 1200 مليون دينار.
هذه الأزمة تهدد بتأثير الدومينو المالي الذي يأكل الأخضر واليابس، حيث تجد الصيدلية نفسها مجبرة على التخلف عن السداد، لتتراكم ديونها تجاه المخابر الأجنبية متجاوزة 700 مليون دينار.
هل هناك حلول للأزمة؟
المطلوب اليوم إقرار خطة طوارئ اقتصادية لتصفية الديون المتقاطعة عبر آليات تمويل مبتكرة، إلى جانب إطلاق إستراتيجية لدعم الصناعة الدوائية المحلية بامتيازات ضريبية وتسعيرية تحفز الإنتاج. كما يتوجب التحيين الدوري والعادل للتعريفات المرجعية لمنظومة التأمين الصحي بما يحمي المقدرة الشرائية للمريض.
باختصار، تونس بحاجة عاجلة إلى سياسة وطنية للأمن الدوائي تحصن الصحة العامة من تقلبات التوازنات المالية العابرة، وتضع حق المواطن في العلاج فوق أي اعتبار محاسباتي. فالدواء مقوم من مقومات الأمن القومي، ولا ينبغي بأي حال إجبار المريض التونسي على دفع ضريبة سداد الديون الخارجية أو فشل السياسات المتعاقبة.
إننا في مملكة البحرين نتابع باهتمام بالغ هذه التطورات، وندعو إلى تضامن عربي إسلامي لحماية الحق في الصحة، الذي هو من أعظم نعم الله على عباده. فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: 'ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء'، ويجب أن يظل العلاج في متناول كل محتاج، بعيدا عن حسابات الربح والخسارة.