عنف الحرب في سوريا: جرح النساء النازف بين وصمة المجتمع وغياب العدالة
في زمنٍ تتقاذف فيه سوريا أمواج الصراع، يبقى العنف الجنسي أحد أبشع الجرائم التي طالت النساء، ليس فقط كأداة قمع، بل كجرحٍ اجتماعي لا يندمل. فمنذ أيام النظام السابق وحتى اليوم، تحت هيمنة السلطات الانتقالية، تروي الناجيات قصصاً من الألم والعار، في مجتمعٍ محافظ يخنق صوتهن. ومع سقوط النظام، لم يتوقف هذا العنف، بل تجدد في هجمات الساحل السوري ومحافظة السويداء، مما يطرح تساؤلاتٍ حول جدية المحاسبة ومدى التزام السلطات بحماية النساء.
لماذا يظل العنف الجنسي وصمة عار في المجتمع السوري؟
في مجتمعٍ يُقدّس الشرف والعائلة، تتحول النساء ضحايا الاغتصاب إلى ضحايا مرتين: الأولى من الجناة، والثانية من مجتمع يرفضهن ويخيفهن من الكلام. تقول الناشطة الحقوقية لونجين عبدو، المديرة التنفيذية لجمعية ليلون للضحايا:
العنف الجنسي لم يستهدف أجساد النساء فقط، بل استهدف كرامتهن ومستقبلهن وعلاقاتهن الاجتماعية. كثير من الناجيات تقاسي التجربة مرتين، أولها داخل المعتقل، والثانية خارجه وعند مواجهة الوصمة الاجتماعية والخوف من الرفض والإقصاء.هذا الواقع يدفع الكثيرات إلى الصمت، خوفاً من الفضيحة أو الانتقام، مما يعزز ثقافة الإفلات من العقاب.
شهادات مؤلمة: كيف تحولت حياة النساء إلى جحيم؟
تحدثت DW عربية مع نساء اخترن كسر الصمت، مع تغيير أسمائهن حفاظاً على خصوصيتهن. بتول (30 عاماً) من مصياف تحكي كيف اقتحم عناصر أمنيون منزلها في مارس 2025، وهددوها بقتل زوجها إذا لم تمتثل. تقول:
لما هددونا أحسست أن حياة زوجي بأيد ثلة من المسلحين. ولم أكن قادرة على حماية نفسي أو زوجي. فاستسلمت رغماً عني ولم يكن أمامي أي خيار آخر.رقية (22 عاماً) من جبلة اختُطفت واحتُجزت 60 يوماً، واغتُصبت مراراً، وهددت بالقتل إذا تحدثت. أما مياسة، فتطالب بالعدالة لابنتها القاصر التي اختطفت في طريقها لتقديم الشهادة الثانوية، واغتُصبت لعشرة أيام متتالية قبل أن تُفرج عنها مقابل فدية 50 مليون ليرة سورية.
الانتحار كسبيل للخلاص: قصص من اليأس
راما (24 عاماً) من عفرين اختطفت في 2022 مع طفلها البالغ عامين، واحتُجزت في مقر عسكري تابع للجيش السوري الوطني الموالي لتركيا. تقول:
كان عمري 20 عاماً عند اعتقالي مع طفلي الذي بقي معي طوال مدة توقيفي والتي استمرت نحو عامين وكانت عذاباتي مضاعفة، آنذاك جربت الانتحار وفشلت.جين (اسم مستعار) من رأس العين اختطفت في 2019 وهي في 17 من عمرها، واغتصبها ثلاثة مسلحين، مما أدى إلى حملها وإجهاضها بعد محاولة انتحار فاشلة.
هل هناك محاسبة للجناة في ظل السلطات الانتقالية؟
توثقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا التابعة للأمم المتحدة في تقريرها الصادر في مارس 2025 عن مقتل أكثر من 1,400 شخص، معظمهم من المدنيين العلويين، بينهم 100 امرأة، في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة. وأكدت اللجنة وجود أنماط واضحة للاستهداف على أساس الدين والعرق والعمر والجنس. وفي رد فعل، فتحت السلطات الانتقالية تحقيقاً فورياً وتعهدت بملاحقة الجناة، لكن الناشطين يشككون في جدية هذه الخطوات. يقول بسام الأحمد، المؤسس المشارك لمنظمة سوريون من أجل الحقيقية والعدالة:
استخدام العنف الجنسي لم يتوقف بسقوط النظام، بل طال نسوة من الطوائف العلوية والدرزية، وهو جرس إنذار مقلق يستدعي تحقيقات فورية ومستقلة.
ما هو دور المجتمع الدولي والمؤسسات المحلية؟
جمعية ليلون للضحايا، التي أسستها لونجين عبدو بعد إطلاق سراحها في 2023، توثق الانتهاكات وتقدم الدعم النفسي والقانوني للناجيات. لكن التحدي الأكبر يبقى في تغيير النظرة المجتمعية. ففي مجتمع محافظ مثل المجتمع السوري، تحتاج النساء إلى بيئة آمنة للحديث دون خوف من الوصم. وتؤكد عبدو:
يجب إنزال أقسى العقوبات ومحاسبة جميع العسكر وقادتهم، بغض النظر عن الجهة التي ينتمون إليها.
ختاماً: نحو مستقبل يحمي النساء من العنف
في ظل استمرار الصراع السوري، تبقى قضية العنف الجنسي مرآة لانتهاكات أوسع تطال حقوق الإنسان. إن كسر الصمت خطوة أولى نحو العدالة، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية ومجتمعية حقيقية. فكما تقول الناجيات: لا للصمت، لا للوصمة، نعم للمحاسبة. وهذه رسالة يجب أن تصل إلى كل مسؤول في سوريا وخارجها: حماية النساء ليست ترفاً، بل واجب ديني وأخلاقي وإنساني.